لم تكن حماس يومًا حركة ملائكية، لكن ما قبل الحرب كان يقوم على ادّعاء واضح: مشروع مقاومة، خطاب تحرير، ووعود كبرى تبدأ من الأقصى ولا تنتهي بتبييض السجون. هذا الخطاب، مهما اختلف الناس حول صدقه أو جدواه، كان على الأقل ثابتًا في لغته، ويقدّم نفسه بوصفه مشروع مواجهة لا مشروع تسوية، ومغامرة لا مساومة.
ما بعد الحرب، لم ينهزم هذا الخطاب فقط، بل انكشف.
لم نعد أمام حركة تتحدث عن تحرير القدس، ولا عن آلاف الأسرى القابعين في سجون الاحتلال، ولا عن كسر المعادلة التاريخية للصراع. نحن أمام قيادة تتحدث بلغة مختلفة تمامًا: لغة التطمين، والترتيبات، والاندماج، والبحث عن موقع داخل النظام الدولي. هذا ليس تطورًا طبيعيًا، بل انقلاب في الجوهر.
تصريحات موسى أبو مرزوق لم تكن زلة لسان، ولا اجتهادًا فرديًا. كانت إعلانًا صريحًا بأن السلاح قابل للتجميد، وأن المقاومة يمكن تعليقها، وأن غزة يمكن إدارتها ضمن ترتيبات دولية إذا ضمنت الحركة بقاءها. هذا الخطاب لا علاقة له بالتحرير، ولا بالأقصى، ولا بالأسرى. إنه خطاب سلطة تخشى السقوط، وتبحث عن أي صيغة تبقيها قائمة، ولو فوق أنقاض مدينة مدمّرة وشعب مسحوق.
أما خالد مشعل، فقد قدّم النسخة الأكثر وضوحًا من هذا الانحدار. حين يتحدث عن ضرورة أن تُمنح حماس فرصة دولية، وحين يلمّح إلى نموذج “الشرع” وكيف فُتحت له الأبواب بعد تغيير سلوكه، فإنه لا يطالب بحق، بل يتوسل قبولًا. الرسالة ليست موجهة للشعب الفلسطيني، بل لواشنطن والعواصم الغربية: نحن مستعدون لأن نكون مقبولين، منضبطين، قابلين للإدارة، فقط اتركوا لنا موقعًا في الحكم.
في هذا المشهد، يتبخر كل ما قيل عن تحرير الأقصى. الأقصى ما زال يُقتحم. يتبخر كل ما قيل عن تبييض السجون. آلاف الأسرى ما زالوا خلف القضبان، في ظروف قاسية، بلا أفق ولا أولوية سياسية حقيقية. حتى محمد الضيف، الذي جرى تقديمه كرمز للمواجهة المفتوحة، صار اسمه غائبًا، كأن المرحلة التي مثّلها أصبحت عبئًا على خطاب يريد أن يبدو “عقلانيًا” و”مقبولًا”.
هذا ليس ذكاء سياسيًا، ولا مرونة تكتيكية. هذا تفريغ كامل للمشروع. حين تتحول المقاومة إلى ورقة تفاوض، وحين يصبح السلاح عبئًا يجب تجميده، وحين تُختزل القضية في سؤال: كيف تبقى الحركة؟ نكون أمام سلطة، لا أمام حركة تحرر.
الأخطر من كل ذلك هو محاولة تسويق هذا التحول على أنه استمرار للصمود. الصمود لا يكون بتعليق كل الشعارات التي أُطلقت قبل الحرب، ولا بالصمت عن الأسرى، ولا بتجاهل الأقصى، ولا بطلب الصبر من شعبٍ دُمّرت حياته، بينما القيادة تفاوض على موقعها.
هذه ليست قضية سوء تقدير، بل سوء أمانة سياسية. من رفع سقف الوعود إلى حدّ تحرير القدس، لا يحق له أن يهبط فجأة إلى سقف الاعتراف الدولي. ومن قدّم نفسه ممثلًا للمقاومة، لا يملك شرعية التحول إلى سلطة تبحث عن ضمانات.
القضية الفلسطينية لا تحتاج تنظيمًا يتبدّل حسب مزاج اللحظة الدولية، ولا سلطة تختبئ خلف خطاب قديم لم تعد تؤمن به. تحتاج وضوحًا، ومساءلة، وكشفًا للحقيقة. والحقيقة اليوم بسيطة وقاسية: حماس لم تعد تتحدث عن التحرير، بل عن البقاء. وكل ما عدا ذلك، مجرد شعارات انتهت صلاحيتها.
حماس: من ادّعاء التحرير إلى استجداء البقاء
تاريخ النشر : 2025-12-21 13:01
