كتب حسن عصفور/ في خطوة يمكن اعتبارها "صادمة" جدا للرئاسة الفلسطينية و"خليتها الخاصة"، قررت فرنسا أن تسحب مشروعها الذي كان مفترضا أن تقدمه لمجلس الأمن بخصوص "الحل النهائي" للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي..
الخطوة صادمة، لأنها جاءت بعد أن نجح وزير خارجية فرنسا أن ينتزع "ترحيبا وتأييدا" لمشروعه من الرئيس محمود عباس وفريقه السياسي الخاص، فيما كان رفضا اسرائيليا له في اليوم التالي، وجاء سحب المشروع بلا اعلان أو توضيح لماذا تم ذلك، خاصة مع الطرف الذي تحمس كثيرا له..
القرار الفرنسي بسحب المشروع كشف أن هناك "خدعة سياسية" تم نصبها للرئيس وفريقه، لتسجيل التأييد لمشروع لا يلبي الحد الأدنى المتفق عليه وطنيا، وبعد أن حصل المراد ونال الرضا الرسمي الفلسطيني تم الاعلان بأن المشروع لن يرى النور، ولن يرسل الى مجلس الأمن..
ولو بحثنا فيما يقف خلف تلك "الخديعة السياسية"، وأسبابها، رغم مساوئ المشروع، سنجد أنها تأتي في سياق "الخطة الأميركية" للتلاعب بالقيادة الرسمية، وإظهارها وكأنها بلا حول ولا قوة، وتحولت الى أداة تنفيذ لما يطلب منها، ما يزيد من حالة الاحتقان الوطني ضدها، خاصة وأنها تتصرف بلا عودة الى الإطار الشرعي، وتحديدا اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حتى أنها لم تكلف نفسها في الإجتماع الأخير لبحث ذلك الأمر، وكيفية معالجته، وكأن اللجنة التنفيذية غير ذي صلة بالشأن الوطني العام..
ما حدث فرنسيا، لم يكن خطأ أو سهوا في سياق المشهد السياسي، بل هو جزء من مخطط لتعميق الفجوة بين الرئيس عباس وكل القوى الفلسطينية الحية، والأغرب أن الرئاسة وفريقها تعاملت مع الموقف الفلسطيني وكأنه خبر صحفي عادي، قام بعض الناطقين بالتصريح بأن هناك بحث عن طرف آخر لتقديم مشروع القرار لمجلس الأمن، باعتبار ما حدث "قضية فنية"، وليس موقفا سياسيا كان يستوجب الرد السياسي..
يبدو أن "خلية الرئيس الخاصة" لا تجد وقتا لذلك، لأنها غرقت في نسج خيوط "مؤامرة" تبحث "الانقلاب" على الرئيس وشرعيته، وتعمل بلا كلل او ملل لتمرير تلك الإكذوبة، وتحيلها وكأنها "حقيقة قائمة"، تتطلب حشد كل ما يمكن حشذه للخلاص من "أطرافها"، والحق أنها تعلم يقينا بعدم مصداقية ما تشيع، ولكنها تعلم ايضا ان ذلك السبيل الأنجع لإحداث "فوضى سياسية" بعيدا عن "المؤامرة الحقيقة" التي تحاك ليس ضد الرئيس عباس والتحلص منه وتمهيد الأرضية لفريق "التقاسم الوظيفي" لأخذ مكانته في قمة القرار، للخلاص عمليا من المشروع الوطني الفلسطيني برمته، وفتح الباب كاملا أمام بدء التنفيذ لـ"ألمشروع اللاوطني البديل"..
المشروع الفرنسي، ووفقا لما نشر فإنه لا يتفق مع المشروع الوطني الفلسطيني، وهو أقرب كثيرا جدا للموقف الاسرائيلي في مضمونه للحل النهائي، حيث انه يتحدث عن "تبادل أراضي" بقيمة تصل الى 10% ، كما أنه يشير الى اعتبار القدس "عاصمة الدولتين"، ما يمثل خلطا مقصودا لتشريع لعبة ضم كل المستوطنات التي بنيت فوق أرض القدس الشرقية المحتلة، والتي تشكل "جدارا محاصرا للبلدة القديمة من القدس الشرقية، فيما لم توضح ما هو مفهوم السيادة الفلسطينية على الأماكن المدقسة بها، وهي المسألة التي من اجلها استشهد الخالد ياسر عرفات..الى جانب سحب الشرعية القانونية من الطلبات الفلسطينية في المحكمة الجنائية الدولية!
المشروع الفرنسي يمنح دولة الاحتلال حقا فيما اقدمت عليه، ليس من مصادرة ارض فحسب، بل تهويد ما أمكنها تهويده، الى جانب شطب حق العودة كليا من الأجندة السياسية، وعدم التطرق لكيفية وحدة جناحي "الدولة" في الضفة والقطاع، وعمليا هو مشروع يمكن وصفه برأس "المؤامرة السياسية" على قرار الجمعية العامة للإمم المتحدة رقم 19/ 67 لعام 2012..
رفض دولة الكيان للمشروع لا يمنحه المصداقية السياسية مطلقا، لأن حكومة نتنياهو، وبالتنسيق الكامل مع الادارة الأميركية يعملان ويعلمان، أن الوقت ليس من أجل رسم "حل كامل ومتكامل الأركان" للقضية الفلسطينية، في ظل المشهد الداخلي الفلسطيني والعربي ايضا، بل أنهما يعملان ويعلمان، أن الفرصة التاريخية لتحقيق حلم "المشروع القديم - الجديد" بتجزئة الحل ضمن رؤيا لا تسمح باقامة دولة فلسطينية وفق قرار الشرعية الدولية..!
ومراقبة المشهد الفلسطيني الداخلي، وما أصابه من "عوار غير مسبوق"، وانتصار فكرة "المؤامرة الداخلية" على "المؤامرة الحقيقة"، يبدو وكأن دولة الكيان وراعيتها أميركا حققا "إختراقا كبيرا" في الجسد الفلسطيني، وتعمقت مظاهر الانقسام واتسعت أطرافه، بحيث لم يعد قاصرا على ما كان بين فتح وحماس، بل أخذ بالتمدد داخل الإطار الشرعي - الرسمي ذاته، وانتهى "عهد التوافق الوطني" ليستبدل بما تسميه بعض القوى الفلسطينية بـ"عهد المراسيم الرئاسية"..
فيما تذهب حماس بعيدا جدا في مشروعها الخاص بقطاع غزة، والحصول على ما يمنحها "حصانة سياسية طويلة الأجل" بثوب "تهدئة طويلة الأجل"، عبر مضمون لم يعد سرا تطوع بعض قادتها بالكشف عن كثيره، وما خفي قليله لن يطول انكشافه..
فرنسا تلاعبت بالموقف الرسمي الفلسطيني لصالح "المؤامرة الحقيقة" لانهاء زمن وعهد ومشروع، والكارثة أن هناك من بين "أهل البيت" من يعمل على اكمال "المؤامرة"، وسط صمت مطبق من "بقايا أطياف العمل الوطني"..!
"المؤامرة" ليست قدرا لا راد لها، بل ردها هو القدر بعينه، من مَن لا زال يؤمن أن بالامكان أفضل مما كان..والعنوان يبدأ من حركة فتح والتي هي "أم الولد"!
ملاحظة: تصريح القيادي الفلسطيني تيسير خالد بعدم وجود قرار في اللجنة التنفيذية باعفاء ياسر عبدربه، يشكل صفعة سياسية لفريق "سرقة القانون والنظام"..المطلوب من فريق رفض "المراسيم" التحرك لابطال مفعولها قبل فوات الآوان!
تنويه خاص: مبروك لخضر عدنان والجهاد الاسلامي صمودا أوصل الى المكسب بالافراج عن رجل قرر التحدي دون أن تصك قدماه وترتعش شفتاه خوفا وهلعا..خضر يا رجل أنت نموذجا يستحق التقدير الخاص!
