"فرقة سوف الرئاسية" لإرباك الجدول الوطني!
كتب حسن عصفور/ جاء خطاب الرئيس محمود عباس يوم السادس من يناير 2016 بمدينة بيت لحم، "نكسة سياسية" بالمعني الشامل، ليس فقط كونه لم يقدم اي تصور حقيقي للشعب الفلسطيني فيما ينتظره، لمواجهة المشروع التهويدي العام، ولكنه قد اعاد ارباك المشهد الفلسطيني بطريقة تثير كل أشكال علامات الاستفهام..
منذ اعلان اعلام الرئاسة الرسمي المبكر عن أن الرئيس عباس سيلقي خطابا "هاما"، باتت الساعة السياسية تترقب ما سيقال، خاصة وان دولة الكيان ساهمت جدا، بترويجها لبعض "الاشاعات السياسية" لأن يقف "بني فلسطين" وحولها ترقبا لما سيقوله الرئيس عباس، على المستويين السياسي - الوطني، والشخصي فيما يتعلق بحالته الصحية..
وعله الخطاب الأكثر ترقبا منذ سنوات للرئيس عباس، بسبب ما سبق، ولكن الذي كان جاء خلافا للتوقعات، وعاد الرئيس الى ما يمكن وصفه بالحديث عن فعل "سوف" وحرف "س"، التي باتت متلازمة سياسية للرئيس وفرقته الخاصة، للهروب من التحديد السياسي المطلوب في المعركة الكبرى، ضد المحتل ومشروعه، ومن أجل ترسيخ المشروع الوطني سلاحا لا بديل له لهزيمة المشروع المضاد..
الرئيس عباس، تطوع بارباك المشروع الوطني، بطريقة تستوجب من القوى الوطنية كافة، ومن الإطار الرسمي، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن لا تكتف بالمراقبة والاستماع لما جاء في الخطاب، بل بات واجبا ملزما لوقف كل "الانتهاكات السياسية" التي أوردها الرئيس عباس في "خطاب النكسة السياسية" في السادس من يناير 2016..
ولعل تجاهل الرئيس عباس في "خطاب النكسة السياسية" لـ"هبة الغضب الوطنية" التي اربكت دولة الاحتلال، وعدم تكليفه الذات بتحيتها وشهدائها وجرحاها واسراها، هو مظهر هروبي من الشكل الصدامي مع دولة الكيان، كرسالة بأن خياره مختلف عما هو قائم من خيار شعبي، بهذا تبدأ أولى درجات الارباك للجدول الوطني الفلسطيني..
ومع تجاهل "الحالة الكفاحية الغاضبة"، يصر الرئيس عباس على أن يتجاهل كليا قرار الإمم المتحدة الخاص بالاعتراف بدولة فلسطين، رقم 19/ 67 لعام 2012، ويلجأ للهروب من هذا الالتزام الدولي الأهم للقضية الفلسطينية، نحو طرح "بدائل" تبدو في مظهرها وكأنها "بدائل ثورية"، وهي في الواقع بدائل التفافية على تنفيذ القرار الدولي الأهم منذ عام 1948 لفلسطين..
عندما يكرر الرئيس عباس وفريقه الخاص، الحديث عن ضرورة عقد "مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية" وتشكيل "لجنة خاصة" للعمل من أجل اقرار التسوية السياسية، ليس سوى "انتهاك كلي" لجوهر القرار الخاص بدولة فلسطين، مؤتمر يبدأ من حالة البحث والتنقيب والاكتشاف عما سيكون..
كان الأولى للرئيس عباس وفرقته التي أعدت له هذا الخطاب "النكسة"، ان يعلن أولا تطبيق قرار 19/ 67 حول دولة فلسطين، لينهي كليا الارتباط مع الاحتلال سياسيا وأمنيا، وكل ما له صلة بالمرحلة الانتقالية، ويصبح "فك الارتباط مع مؤسسة الاحتلال" أمرا سياسيا واقعيا، ولتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على قاعدة سياسية كرستها "الشرعية الدولية"..
ولأن دولة الكيان لن تقبل بمثل هذا الخيار الوطني، فهي ستعلن اعادة احتلالها للأرض الفلسطينية في الضفة والقدس وتحاصر مؤسساتها الوطنية، ما يمثل انتقالا نوعيا في مفهوم الاحتلال، من احتلال ارض فلسطينية الى احتلال دولة هي عضو في الأمم المتحدة..
المدخل هنا ليس "شكلي"، كما يمكن لفريق الرئيس عباس أن يعلن، بل هو تغيير جذري في قواعد الاشتباك، ويصبح عندها المطالبة بمؤتمر دولي من أجل "انهاء الاحتلال لدولة فلسطين" وليس للبحث عن "حل سياسي" لقضية فلسطين..
مؤتمر يضع أسس العلاقات المستقبلية لدولة بدولة، ورسم خريطة طريق لاستكمال الحل في قضايا عالقة بين الدولتين، في مختلف الجوانب، مع تحديد آلية خاصة لتنفيذ قرار الجمعية العامة 194 الخاص بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين..
تلك هي المسألة الجوهرية لأي مشروع فلسطيني يراد به مواجهة المشروع التهويدي، والحديث عن "افكار" تخرج عن تلك المسألة الجوهرية ليس سوى مشروع لـ"ديمومة الاحتلال وإطالة زمنه"..
ولا يقتصر الارباك السياسي في خطاب الرئيس عباس عن الهروب المتعمد من تطبيق قرار دولة فلسطين ضمن زمن محدد، وتركها للغيب السياسي، بل أن الرئيس يصر بالحديث عن الانتخابات دون تحديد لطبيعتها، وكأن الحديث حولها ليس سوى من باب الاستخدام المناكف لحركة حماس، وليس كـ"ضرورة وطنية" من أجل ترسيخ مقومات دولة فلسطين..
تحديد طبيعة الانتخابات شرط الضرورة للمصداقية السياسية، يجب التحديد بأنها انتخابات للدولة ولا غيرها، فلا انتخابات لمرحلة انتقالية تحت راية الاحتلال..هذا ضلال سياسي يجب أن ينتهي كليا من الجدول الوطني..
"فرقة سوف للإرباك السياسي"، تصر أن تتغابى سياسيا وتستغل "الشرعية" للقيام بالالتفاف على "الشرعية الوطنية"، ما يستوجب وقفة وطنية وشعبية لكسر حلقة المناورة الخطرة على المشروع الوطني..!
ملاحظة: تصريحات السفير الأميركي السابق في دولة الكيان انديك بخصوص ما قاله نتنياهو حول اغتيال رابين يجب ان تستخدمها القيادة الفلسطينية لفضح جوهر الموقف الاسرائيلي..
تنويه خاص: شهادة "الأمن الاسرائيلي" عن تحسن التنسيق الأمني مع اجهزة أمن السلطة يستحق التفكير..وهل تجاهل الرئيس عباس لتحية "هبة الغضب" جاء في سياق ذلك "المديح"!
