في غزة .. لا شيء يشبهنا..
علاء مطر
أمد/ استأصلت غزة روحها، وبقي سكانها يمسكون ببارقة أمل رغم كل الألم، أدرك الغزيون أن الحياة روح لا تعيش دون ذاكرة، لا زالت تجد نفسها فريسة تقاسمها مئة فم، في غزة الجميع يبحث عن كل شيء "ماء، طعام، هواء، مأوي" الجميع يبحث عن نصف حياة بعدما كانوا الحياة نفسها.
في غزة، أنت لم تكن ملك نفسك، لم تقرر يوما من تكون، لم تختار كيف تعيش، لم تمتلك رفاهية التعدد في شيء، هناك من يقرر عنك، يضعك في القالب الذي يريد، وعليك الامتثال للأمر وإن لم يكن بإرادتك ستكون مرغما مجبرا على أشياء لم يكن لك فيها شيء، فهناك من يقرر كيف ومتى تكون الحياة والممات، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
في غزة يجول في خاطرك الكثير من القصص الدامية، تحاول أن تصارع مشاعرك كي لا تجزع، فقط تترقب أن يغير القَدَر عاداته السيئة فيعود بالأسوأ، من المصير إلى الإبادة، من الرضا إلى حالة التيه، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
منذ السابع من أكتوبر الماضي، أيقنا أن العالم ينظر لنا في غزة بعين واحدة مغلقة في معظم الأوقات، يرانا حسب تطلعاته وحسب ما يحيكه لنا هذا أو ذاك.. ربما ستسأل من هذا ومن ذاك، وكأن الأمر يفرق كثيرا، فقاعدة ما تخاف منه ما بيجي أحسن منه تكسرت على عتبة إبادة غزة.
في غزة.. لا شيء يشبهنا..
في غزة أشياء كثيرة اكتشفناها، فالإنسان يتجمد في حضرة الموت، لا يفاصل على ثمن موته، ولا على من بقي من أهله، ولا مَن يأخذ من أحبائه، ولا يفاصل حتى في عدد أنفاسه، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
في غزة أشياء كثيرة حاضرة، العامل المشترك الأكبر فيها الموت، السياسيون سلبوك حرية الاختيار، مزقوا الصحفات وأشعلوا في كتب ذكرياتنا النار، وجعلونا نصارع بعضنا لأجل البقاء، ولقمة العيش التي أصبح أطفالنا يموتون وهي في أفواههم لم ينتهوا من آخر غداء، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
في غزة لا تسأل أحدا كم عمرك، فقط أنظر إلى الوجوه، تجاعيد وشحابير وشعر أبيض وبشرة سمراء وحواجب معقودة، فالابتسامة أصبحت من الماضي، والسياسيون كتبوا حاضرا جديدا لا مستقبل فيه إلا ما يرونه مناسبا، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
في غزة نخرج بعد كل عدوان بخسائر، نتدبر ما حدث على مدار الأيام، نلملم جراحنا، نصل إلى يقين أن العائد أعمق بكثير، نجدد اليقين باسم الله وباسم الوطن، حتى وضعنا أمام مصائرنا وتجاوزنا الخطوط الحمراء ولعنا السياسيون وهاجرنا الوطن.
في غزة مجاعة.. إبادة.. شِدَّة.. إقصاء.. قتل.. استئصال.. إفناء.. تدمير.. وسمي من الأسماء ما شئت، فالموت عدادٌ لا يجيد التوقف يأخذ مزاده من أعمارنا، والسياسيون لا يشبعون غرائزهم بدم الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ، لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
في غزة تجد كل شيء مختلف.. الموت مختلف.. والقتل مختلف.. والمفاوض عن موتنا مختلف.. والعدو قاتلنا مختلف.. وطريق تجويعنا مختلف.. فكل الأشياء اختلفت واجتمعت في موتنا وعلى موتنا لا لشيء لأن لا شيء يشبهنا.
