إيران... ورهان الكارهين على نتائج انتخاباتها
رامز مصطفى
أمد/ مع كل حدث أو تطور تشهده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تنبري الدوائر الأمريكية والغربية وحتى في الواقع الإقليمي، إلى إسقاط رغباتهم وأمنياتهم، أنّ ذاك التطور أو الحدث يجرف إيران نحو ما يتمنونه وعملوا عليه منذ انتصار ثورتها الإسلامية قبل 45 عاماً بقيادة الإمام الراحل الخميني رحمه الله.
الحدث المؤسف والمؤلم الذي أودى بحياة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين عبد اللهيان ورفاقهم في العشرين من شهر أيار الماضي، جاء مادة دسمة صِيغ حوله الكثير من السيناريوهات لجهة فلتان الأوضاع في الداخل الإيراني بسبب الفراغ الذي قد يتركه هذا الحدث. ولكن سرعان ما أدرك هؤلاء المراهنين على ذهاب إيران الثورة إلى المجهول قد باءت بالفشل. وغاب عنهم أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران دولة مؤسسات متماسكة أصلاً، وتزداد تماسكاً في الملمات والمصائب. وهذا ما أظهرته تلك المؤسسات سواء التشريعية أو التنفيذية وهي تؤدي عملها ودورها بشكل إيجابي ومتفانِ في خدمة إيران الثورة الإسلامية.
دوائر الرهان البائس أبقت على رغباتها وأمنياتها وعينها على الاستحقاق الرئاسي، الذي جاء بنتيجته مسعود بزشكيان الرئيس التاسع لإيران، وهو كما يوصف أنه من التيار المعتدل أو الإصلاحي. فبدأت تلك الدوائر وكتبتها ومحلليها يبنون على وصول الرئيس بزشكيان بأن ثمة تحولات هامة وأساسية ستطرأ على إيران على المستويين الداخلي والخارجي. الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما بُنيت عليه منذ انتصار ثورتها وحتى يوم فوز الرئيس بزشكيان، تسير وفق ما جاءت به الثورة من فكر وعقيدة ومسار ومسيرة سياسية لم يشهد تذبذباً حقيقياَ في خطها البياني إلاّ في التكتيك. وفي السياق نسجل الآتي: -
1. أنّ الرؤساء الإيرانيين التسعة وإن كانوا محسوبين على تياراتهم، سواء كانوا محافظين أو إصلاحيين كما يحلو للبعض توصيفهم. ولائهم الأول للثورة الإسلامية وما بُنيت عليه، والمرشد بهذا المعنى هو مرجعهم جميعاً.
2. من يدقق في التسلسل الزمني لفوز الرؤساء منذ انتصار الثورة حتى الآن، عليه أن يصل إلى استخلاص أنّ ما عُرِّف عنه بالمحافظين أو المعتدلين كانوا أقرب لتداول السلطة منه إلى الاستحواذ على السلطة من قبل تيار على حساب التيار الأخر.
3. كلا الرؤساء من التيارين من حقه أن يثبت وجهة نظره ورؤيته بما يتعلق بالشؤون الحياتية والاقتصادية والتنمية بما يعود بالمنفعة على الشعب الإيراني ورخائه ونمائه. وشاهدي أنّ هذا التطور المرتفع الوتيرة لدولة عمرها من عمر ثورتها الإسلامية في كل مناحي الحياة، ومن دون إغفال أو إسقاط أي منحى أو مسلك للتطور والتقدم إلاّ وذهبت إليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى باتت في نظر العالم أنّ دولة عمرها 45 عاماً محتسب منها سنوات الحرب والحصار والعقوبات، وبث الفتن والتخريب، واغتيال لعلمائها وقاداتها، تتمكن ورغم كل ذلك أن تصنف دولة إقليمية ولكن بأبعاد دولية لا يمكن تجاوزها أو القفز عنها. وما تقدم ليس بفضل رئيس من هنا أو رئيس من هناك، بل بفضل مرجعية حكيمة تحرص على التنوع والشراكة من أجل إيران ومستقبلها وازدهارها وتقدمها، والجميع بهذا المعنى منخرط إيجابياً لتأمين المصالح القومية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
4. في الحديث عن الانفتاح على الأخرين، لا أعتقد أنّ إيران كانت ليوم واحد منغلقة ومتقوقعة على نفسها. وهناك فارق كبير بين الانفتاح الواعي والراشد الذي يؤمّن مصالحها وحضورها ويحفظ دورها وكرامتها، وبين الانفتاح الأعمى الساعي لخطب ود الدول الكبرى، والقبول بفتات المصالح والحضور والدور والكرامة المنقوصة. هذا إذا أُعطيت ذلك، لأنّ القوى الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة تريد لإيران أن تدور في فلكها كما في عهد الشاه. لذلك ترفض إيران الثورة الإسلامية الخنوع والخضوع، وعلى خلفية تلك المواقف الواضحة وضوح الشمس تتعرض إلى ما تتعرض له من مؤامرات وحصار وعقوبات. وأيضاً من الشواهد أليس في عهد الرئيس روحاني (الإصلاحي) أنجز الاتفاق النووي بين إيران زائد الدول الخمسة عام 2005. وأيضاً في زمن الرئاسية أيضاً أقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على تجميد ووقف الاتفاق بتحريض من رئيس حكومة العدو الصهيوني نتنياهو. وهذا بالتأكيد سيدفع حتى الرئيس بزشكيان الذي أبدى رغبة في الانفتاح أن يضع هذا الموضوع نصب عينيه، في ظلِّ أنّ مؤشرات الانتخابات الأمريكية القادمة تُرجح فوز دونالد ترامب، مما يعني التشدد في مواجهة إيران. ومن الشواهد القريبة، أنّ الرئيس الشهيد إبراهيم رئيسي يُسجل له ولوزير خارجيته الشهيد عبد اللهيان أنهما قد نجحا وبوساطة الصين أن يُنهيا القطيعة بين إيران والسعودية، ويستعيدان علاقاتهما الدبلوماسية.
5. أما بما يخص الحديث عن الرئيس مسعود بزشكيان وتوجهاته، أنه سيؤكد المؤكد كما أسلافه في أنّ مرجعه مرشد الثورة السيد على الخامنئي. وفي إطلالته الإعلامية الأولى بعد فوزه، قال سنحل القضايا كل واحدة على حدا وبإشراف السيد الخامنئي. وفي لقائهما شكر بزشكيان مرشد الثورة على جهوده التي أثمرت نجاح الاستحقاق الانتخابي لرئاسة الجمهورية. وهنا تكمن الإشارة التي على الجميع التقاطها، وهي أليس من الجائز والجائز جداً أنّ السيد علي الخامنئي وقف وراء فوز بزشكيان بهدف تهدئة خواطر الداخل الإيراني وطمأنته، وبالتالي إيصال رسالة للخارج البعيد والقريب أنّ إيران بخير وقادرة ومقتدرة سواء كان الرئيس محافظاً أو إصلاحياً. وأن لا فيتو على وصول الرئيس مسعود بزشكيان إلى رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
6. في موضوع المقاومة والقضية الفلسطينية، هما من الثوابت التي لا تخضع للتأرجح أو التكتيكات على حسابهما. ولم تشهد إيران إجماعاً مثيلاً كما يجمع كل الشعب الإيراني عليهما، على الرغم أنّ هناك بعض الأصوات التي ارتفعت في لحظة ما سرعان ما تلاشت. وهذا وإن اعتبر مؤشراً يُبنى عليه من قبل الكارهين، غير أنّ إيران وما قدمته لقوى المقاومة يؤكد بدون أدنى شك أنها لا زالت على تبنيها للمقاومة والقضية الفلسطينية، والشواهد مليئة بالصفحات المشرقة لتلك المواقف الداعمة والمساندة أفعالاً لا بالأقوال. والشهيد المجاهد الكبير قاسم سليماني واستهدافه من قبل الثنائي الأمريكي الصهيوني جاء بخلفية دعمه اللامحدود للمقاومة التي نعايش ومنذ حوالي العشرة شهور بسالتها وقدرتها على مواجهة الكيان الصهيوني على مختلف جبهات قوى ومحور المقاومة عموماً، وعلى أرض قطاع غزة والضفة وجنوب لبنان على وجه الخصوص.
والرئيس المنتخب بزشكيان في رسائل رده على تهنئته بفوزه بانتخابات الرئاسة الإيرانية قد أكد لقادة دول وقوى محور المقاومة، على المواقف الثابتة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في دعمها المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا التي تشكل عامود الخيمة في محور المقاومة كما وصفها سماحة السيد حسن نصر غير مرة في خطاباته.
في مطلق الأحوال الدوائر الأمريكية والغربية والكيان الصهيوني ومن يدور في فلكهم، لن يتخلوا عن خططهم وما يهدفون من ورائها إصابة إيران الثورة في مقتل يُعيد عقارب الزمن دفعة واحدة إلى 45 عاماً قد مضت. وهذه أضغاث أحلام لن تجد لها طريقاً يحققون من ورائه أهدافهم في إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية فكراً وعقيدة وإرثاً إسلامياً ثورياً. ولا يعني أيضاً في مطلق الأحوال أن يكون الرئيس بزشكيان إصلاحياً، أنه يوافق على أن يرى إيران وما أنجزته من عمر ثورتها يسقط في براثن قوى الاستكبار العالمي الظالم والمستبد، وهو الذي يتخفى وراء شعارات براقة لا أساس أخلاقي أو إنساني أو قيمي لها، لأنّ ممارستهم وأفعالهم تناقض أقوالهم الفارغة والجوفاء وما يتشدقون به من ترهات حقوق الإنسان. وها هي غزة وما يُرتكب بحق أهلها من حرب إبادة جماعية شاهد ساطع سطوع الشمس، على مشاركتهم تلك الفعلة الشنعاء التي يندى لها جبين الإنسانية المكلومة على يد هذا الاستكبار وصنيعته الكيان الصهيوني.
