"غزة تحت وطأة الإبادة: عامٌ ثانٍ من النزوح والدمار"

تابعنا على:   17:46 2024-10-07

خليل ماهر عطاالله

أمد/ غزة، حيث الموت يظل يحوم ولا يغادر، وحيث الحياة أصبحت مجرد محاولة يائسة للاحتفاظ ببعض الإنسانية وسط الخراب الشامل. على مدى عام كامل، يستمر الدمار في تكرار مأساته، ويسرق الأمل من وجوه الأطفال البريئة. لم يعد معنى للسلام أو الأمن هنا؛ بل أصبحت مشاهد الموت والخراب اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع. غزة تحترق تحت وطأة حرب إبادة ممنهجة، يقتل فيها الأطفال، تُهدم البيوت، وتحرق الأحلام، بينما يبحث الناس عن ملاذ، عن حياة بسيطة تستحق إنسانيتهم. اشتد العدوان الإسرائيلي، محصداً أرواح الآلاف، تاركاً جراحاً يصعب التئامها. اليوم، تجاوز عدد الشهداء 41,909، فيما يرزح الآلاف تحت الأنقاض، مصيرهم مجهول، والناجون يقاتلون من أجل البقاء في ظروف قاسية لا تطاق.

في هذا الركن الصغير من العالم، يتكرر المشهد المأساوي: فقدت العائلات بيوتها بين ليلة وضحاها، لتجد نفسها محاصرة في دوامة النزوح والخيام البائسة. هذه الخيام لم تكن ملاذاً آمناً، بل أصبحت رمزاً آخر للمعاناة؛ أقمشة ممزقة ومشاعر تائهة تحت رحمة الرياح والبرد القارس. يهرب الناس من قصف إلى قصف، ومن موت متوقع إلى حياة مليئة بالمخاطر، ليعيشوا في خوف دائم على أنفسهم وعلى أطفالهم. في الوقت نفسه، أصبح البحث عن أساسيات الحياة، مثل الماء الصالح للشرب والطعام، معركة يومية لا تنتهي.

أطفال غزة، الذين حرموا من أحلامهم ومن حقهم في الحياة الطبيعية، وجدوا أنفسهم يواجهون الجوع، ويأكلون ما بقي من حبوب أو حتى علف الحيوانات ليبقوا على قيد الحياة. في شمال القطاع، الأوضاع باتت أشبه بالمجاعة الحقيقية، ووسط ذلك، يحاول الآباء والأمهات الصمود، لا لشيء إلا لأنهم يريدون مستقبلًا أفضل لأطفالهم الناجين من الموت.

الوضع الصحي في غزة أيضاً لا يختلف عن الوضع المعيشي، فالمنشآت الصحية دُمرت، والأطباء يعملون بأقل الإمكانيات وبالكاد يستطيعون توفير العلاج. آلاف المرضى والمصابين بأمراض مزمنة كالقلب والسكري لا يجدون الرعاية الصحية التي يحتاجونها، والمشافي تئن من الضغط الكبير بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية. بينما الأطفال يعانون من نقص في التطعيمات الأساسية، ما يزيد من خطر تفشي الأمراض والأوبئة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه قطاع غزة أزمة غير مسبوقة، إذ بات الاقتصاد مشلولاً تماماً تحت وطأة الإبادة المستمرة. توقفت التجارة والتبادل التجاري، التي كانت تمثل شريان حياة لملايين الأسر، عن العمل تقريباً، مما أدى إلى تفشي البطالة إلى معدلات فاقت 80%، وانهارت القاعدة الإنتاجية إلى مستويات مدمرة. تهاوت مظاهر الحياة الاقتصادية، وسقطت أكثر من 1.7 مليون عائلة في براثن الفقر المدقع، حيث فقد 15,265 عاملاً وظائفهم في قطاع السياحة وحده، الذي تعرض لتخريب شبه كامل. تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في غزة انكمش بأكثر من 85%، بينما تراجعت مساهمة القطاع في الاقتصاد الفلسطيني من حوالي 17% قبل بدء الحرب إلى أقل من 5% اليوم. اليوم، يعيش سكان غزة حالة من القلق الدائم، حيث يصبح الحصول على لقمة العيش كفاحاً مريراً، ويمثل البحث عن وظيفة جديدة حلماً بعيد المنال.

صرخة نطلقها إلى العالم، إلى كل من يؤمن بالإنسانية والعدالة، غزة تحتاج إلى صوتكم، إلى موقفٍ صادق يطالب بوقف هذه المجزرة، يطالب بإنقاذ أرواح المدنيين الأبرياء. الناس هنا لا يريدون سوى أن يعيشوا بكرامة، أن يؤمنوا مستقبلًا لأطفالهم بعيدًا عن مشاهد الموت والخراب. آن الأوان لكي يتخذ المجتمع الدولي موقفًا جادًا من أجل وقف هذا الدمار، آن الأوان أن يستعيد الناس في غزة حقهم في حياةٍ آمنة ومستقرة.

غزة ليست مجرد عنوان في الأخبار، غزة هي بشرٌ، هي أرواحٌ تعيش في خضم معاناة لا تنتهي، وأملٌ لا يموت بأن يأتي يوم ينعم فيه الناس بسلام، ببيتٍ يلمّ شتاتهم، وماءٍ نظيفٍ يسد عطشهم، وغذاءٍ يعيد لأجسادهم الهزيلة قوتها.

اخر الأخبار