هل حزب الله قابل للهزيمة؟ قراءة لحركات المقاومة كنموذج لمشروع الهيمنة

تابعنا على:   16:55 2024-10-18

كريم الزغير

أمد/ لسبر كنه حركات المقاومة المؤدلجة كحزب الله؛ لا مناص من اجتراح هندسة عكسيّة لسيرورتها التاريخيّة وأدبيّاتها وأفكارها ومواقفها؛ لئلا ننزلق إلى منزلق التحليلات التبسيطيّة القشوريّة التي تتعامل مع هذه الحركات ضمن سرديات استاتيكيّة لا تتفق وطبيعتها التكوينية، وتُسكّنها في حيّز الاختزال المُنمّط، ودون التمفصل في الماهية الديناميكيّة لحركات جاءت في ذروة التفاعلات السياسيّة، والتحوّلات الإيديولوجيّة، وتفكّك قوى، وهيمنة أخرى.

مُذ أَنْ أُعلِن عن اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله الراحل حسن نصرالله؛ تزاحمت المبادرات والاتصالات والوساطات في حراك متسارع نحو إعادة بناء لبنان ما بعد حزب الله أو اجتراح (برويسترويكا) طائفيّة أخرى في لبنان، لكن هل حزب الله قابل للهزيمة كمشروع سياسيّ- عقائديّ؟

أُسّسِت الذات الثوريّة لحزب الله (Subject) على مشروع هيمنة حسب التعريفات الغرامشيّة لمشاريع الهيمنة والتي عرّفها غرامشي على أنها "عمليّة صراع بين الذوات الواعية الأساسيّة في المجتمع الإنسانيّ". والتي وصفها غرامشي بالكتلة التاريخيّة، وهذه الكتلة اتساقًا مع نموذج حزب الله؛ هي جمهور المقاومة أو مجتمع المقاومة الذي أنشأه الحزب في لبنان ومن ثم العالم العربيّ والإسلاميّ.

أما الكتلة التاريخيّة (مجتمع المقاومة) فهي الذات السياسيّة- الاجتماعيّة للنضال ضد الهيمنة، ويتم بناؤها عندما تقوم مجموعات اجتماعيّة بالانتظام حول مشروع هيمنة معين؛ وهذه المجموعة المكونة من المثقفين العضويين تصقل الإرادة العامة الجديدة، وتنفّذ أعمال تقنيّة- قياديّة لخدمة المجموعة المسيطرة وتلبية احتياجاتها، أي أنّ المثقفين جزءٌ لا يتجزأ من مشروع الهيمنة بالتعاون مع الجماهير المشاركة في بناء الكتلة التاريخيّة.

وبخلاف التحليلات الماركسيّة التقليديّة، والتجديدات والتحويرات اللينينيّة عليها والتي تُركز وترتكز على تحليل العلاقات الاقتصادية- الطبقيّة في سياق صراعيّ- ديالكتيكيّ؛ فإن غرامشي وضع تركيزه على المستويين السياسي والأخلاقيّ؛ من خلال استراتيجية تتبنى "حرب الخنادق" طويلة الأمد وليست الحرب الدفاعيّة.

وبحسب غرامشي؛ فإنه يمكن لطبقة معيّنة أن تتدرب على القيادة؛ من خلال استعدادها للدخول في حوار وتفاعل مع مركبات أخرى ليست طبقيةًّ فقط؛ لبناء إرادة وطنيّة- شعبيّة؛ وهو ما فعله حزب الله خلال مراحل تأسسه وتطوره كمشروع مناوئ لمشاريع الهيمنة التقليديّة في لبنان.

ولإنجاز الهيمنة بوصفها مشروعًا غير محدد الهويّة الزمانيّة؛ فإن ذلك يتطلب إجراء ربط ممفصل (Articulation) بين أوجه القيادة المختلفة للنظام الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ ضمن مشروع سياسيّ عام، وهنا؛ جاء حزب الله كمشروع هيمنة مُضاد لمشاريع الهيمنة في بنية النظام السياسيّ والاجتماعيّ اللبنانيّ الذي مثّله تحالف النخبة المارونيّة بقيادة الرئيس بشارة الخوري مع النخبة السنيّة والتجار في مدن الساحل الذين مثلهم رياض الصلح؛ وهو تحالفٌ شكل القاعدة المركزيّة لمشروع الهيمنة الذي سيطر على لبنان على مدار ثلاثين عامًا والذي بُني على نظريّة التفوق الشعوبيّ من قبل منظرين ومفكرين كميشيل شيحا وشارل قرم اللذين أسسا الأسطورة المؤسسة لهذا المشروع في لبنان باعتباره وريثًا حضاريًا للفينيقيين.

لم يستثنِ مشروع الهيمنة (جمهوريّة الصيارفة والتجار) الإقطاع الشيعيّ؛ لكن وضعه في موضع غير فاعل وفعال ومؤثر على المستويين العام والخاص؛ ما ألقى بالفئات الفقيرة والمسحوقة من الشيعة في جنوب لبنان والبقاع في غياهب الفقر والعوز والفاقة، خصوصًا، مع تركز الثروة الوطنيّة بأيدي ثلاثين عائلةً فقط؛ وهي العائلات التي تحولت إلى أوليغارشيا حاكمة تفرض أنماط الاقتصاد النيو-ليبراليّ غير عابئة بهذه الفئات وأزماتها؛ ما تسبب بنزوح جماعيّ داخليّ نحو العاصمة (بيروت) التي كانت مركزًا للأوليغارشيا الثرية، وبالتالي؛ نشأ حول العاصمة ما يُعرف بحزام البؤس الذي تكدس فيه الفقراء اللبنانيّون من الشيعة واللاجئون الفلسطينييون.

أما في الأرياف والقرى؛ فقد حكمت الزبائنيّة العلاقة بين دولة (الأوليغارشيا) والفلاحين من الشيعة الذين شبّوا عن طوق منظومة السيطرة التقليديّة من الزعماء التقليديين، ويمموا وجوههم شطر عمليّة الإدماج الاجتماعيّ (Socialization) التي تجسدت باندماجهم في الأحزاب الراديكاليّة التي طالبت بإعادة تقسيم الثروة الوطنيّة.

إذن أنتجت منظومة الهيمنة التقليديّة بإقصائها لعدد من الفئات والشرائح، أهمها؛ الفقراء من الطائفة الشيعيّة مشروع الهيمنة المضاد الذي اعتمد في إطاره النظريّ على مجددي الفكر الشيعي كمحمد باقر الصدر والإمام الخميني وعلي شريعتي وموسى الصدر، والأخير بنى تحالفاته مع بسطاء الناس والأغنياء الجدد من مغتربي الجنوب اللبناني، والذين يبحثون عن قائد ليقودهم نحو الحصول على حصتهم من التأثير في الدولة.

استطاع الصدر أن يحوّل الطقوس الشيعيّة إلى أداة لبناء التضامن بين أبناء الطائفة؛ إلا أن مشروع الصدر لم يكن مغايرًا أو متمايزًا عن مشروع الهيمنة السائد حينذاك، وعلى وجه الدقة؛ فيما يتعلق بمفهوم المحاصصة، فالصدر رأى أن للطائفة الشيعيّة حصةٌ من الكعكة الوطنية، لكن لم يعمل على إنشاء مشروع هيمنة مضاد.

بيد أنّ إشعاعات فكر محمد حسين فضل الله؛ وهو المرجعيّة الروحية لحزب الله؛ حوّلت المقاومة من نشاط ميدانيّ إلى مشروع أمميّ- إسلامي شاملّ، وأرسى فكره مرتكزات مشروع حزب الله الثلاث:

1)- تفسير دينيّ- ثوريّ مقاوم.
2)- مجموعة- قوميّة وطنيّة متخيّلة جديدة مركزها المقاومة.
3)- فكر اقتصاديّ- شعبيّ وشعبويّ.

وبهذه المرتكزات الثلاث؛ نجح حزب الله بربطها مع رمز (Signifier) المقاومة؛ وذلك لبناء مشروع يربط بين المجالات المركزيّة في المجتمع اللبناني، وأسس منظومات الهيمنة الخاصة بمشروعه كالصحافة ومؤسسات التعليم والشبكات الثقافيّة إلخ، وأجرى تغييرات جوهرانيّة على ميثاقه السياسي الأول الذي شكّل المرجعيّة المُحركة له؛ وهي الرسالة المفتوحة عام 1985؛ عبر الانفصال عن سلطة الولي الفقيه؛ من خلال ما ذكره نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم بالأخذ بالظروف الموضوعيّة والخصوصيّات لكل جماعة، مبينًا أن مشروع المقاومة:"هو رؤية مجتمعيّة بكل أبعادها" ومُفرّقًا بين مجتمع المقاومة الذي يحمل طابع الاستمراريّة وبين مجموعة المقاومة كأداء ظرفيّ.

وانتقل حزب الله انتقالًا متدرّجًا من الخطاب الدينيّ- العقائديّ إلى الخطاب الوطنيّ، وعبّر عن ذلك بإبرامه التحالف التاريخيّ بينه وبين التيّار الوطنيّ الحر برئاسة ميشيل عون، بعد أن كان المسيحيون في أدبيّات الحزب "أهل ذمة"، كما شارك في الانتخابات لأول مرة عام 1992، وفي انتخابات عام 1996؛ بدأ الحزب يلامس القضايا الاقتصاديّة والمعيشيّة، مُطالبًا الدولة بتدعيم دورها الرعائيّ خلافًا لمطالباته السابقة، والتي انحصرت بدعم جهود إعادة الإعمار في جنوب لبنان.

ولتجذير مشروع الهيمنة؛ أنشأ الحزب شبكات خدمات (مدارس، روضات، مستشفيات، منح دارسيّة وجلها في تخصصات العلوم الطبيعيّة والتكنولوجيا) وأسس مؤسسة جهاد البناء لإعادة إعمار البيوت المهدمة جراء القصف الإسرائيليّ، ومؤسسة الشهيد لدعم أُسر أعضاء الحزب، وجمعيّة القرض الحسن التي تقدم القروض بدون فوائد، وجمعيّة الهيئة الصحيّة الإسلاميّة، وجمعيّة الإمداد الخيريّة الإسلاميّة، ومن المعلوم؛ أن هذه الجمعيّات كانت ولا زالت تحظى بدعم ماليّ إيرانيّ، كما أسّس الحزب عددًا من المدارس والمراكز التعليميّة كمدارس المهدي والمصطفى ومعهد الرسول الأعظم التقنيّ ومعهد عباس الموسوي ومعهد السيدة الزهراء ومعهد الشيخ راغب الحرب.

أما في المجال الإعلاميّ؛ فقد كانت صحيفة "العهد" لسان الحزب، والمعبّر عن مواقفه حيال القضايا الوطنيّة والإقليميّة والأمميّة، المنبر الصحفيّ للحزب الذي أنشأ قناة "المنار" أيضًا في سياق النمو الطبيعيّ لمشروع الهيمنة وأدواته، لكن الحزب لم يكتفِ بذلك فحسب؛ بل اجترح شكلًا آخرًا من أشكال مشروع الهيمنة، ألا وهو ما يعرف بـ"سياحة المقاومة"، حيث كان يستجلب السائحين والزائرين لزيارة المعالم الملاحميّة للمشروع كمعتقل الخيام الذي يُعتبر شاهدًا حيًا على الأفعال التضحويّة للمعتقلين، يضاف إلى ذلك؛ خنادق مقاتلي الحزب، والدبابات الإسرائيليّة المحطمة كونها دليلًا رمزيًا على تاريخ معارك الحزب وحروبه.

هل حزب الله قابل للهزيمة؟

تنامت آراء وقراءات تمحورت حول الخاتمة/ النهاية لحزب الله بعد اغتيال أمينه العام حسن نصرالله؛ باعتبار نصرالله يمثل القوة الكاريزميّة المُحفزة لأعضاء الحزب ومقاتليه، والمؤثرة في جمهوره ومؤيديه، والحازمة تجاه خصومه ومُنابذيه، كما أن اغتيال معظم قيادات الحزب العسكرية والسياسية والكوادر المتقدمة والمتخصصة؛ قد أضفى صدقيّة على تلك الآراء، عمومًا لسنا في معرض الحديث عن مصير حزب الله بالمنظور (الأبوكاليبسيّ) فذلك يخضع لآليات معقدة في الصراعات لا يمكن التنبؤ الحتميّ بها، لكن ما حاولنا مقاربته؛ هو الفهم لمشروع الحزب كمشروع هيمنة بالمفهوم الغرامشيّ.

اخر الأخبار