على هامش استشهاد رمز الألم الفلسطيني خالد نبهان* برصاص حفاة الضمير

تابعنا على:   17:56 2024-12-18

محمد المحسن

أمد/ نم هانئا..أنت الآن في رحاب الله..ومع "روح الروح"

موتك سيظلّ وصمة عار..على جباه-لا تعرق خجلا-..!

-علّمنا التاريخ،أنّ السفّاح-بما يريقه من دم-..يحدّد الثمن النهائي لدمه..( الكاتب)

 

خبأ-غزة-خلف الشغاف،ورفع علمها بجسارة من لا يخشى لسعة الجلاد.. وأغتيل برصاص منفلت من العقال..رصاص عديم الرحم.. أطلقه قتلة من حفاة الضمير..

شهيد فلسطين  (خالد نبهان) دفعت ثمن رسالة عظيمة وجليلة حملتها بجسارة مذهلة..رسالة رفض الذل والطغيان..طغيان احتلال لئيم منبجس من مغاور التاريخ..ولذلك،حُقَّ لكل حرّ وعزيز وذي وفاء أن يغضب ويحزن ويثور على زمن تغتال فيه-حمائم السلام-على مرآى ومسمع من العالم..

هكذا كان-موته-فرجويا متوحّشا بدائيا ساديّا ضاريا عاتيا فاجعا..

هو ذا القتل على مرأى من الدنيا والعرب..

فلسطين..لم تصب بقشعريرة ولا بإندهاش.إنّها ”تبكي” بصمت شهدائها..

جرح مفتوح،وعدالة شائخة،وضمير إنسانيّ كسول وضرير..لا يفعل غير أن يعدّ حصيلة الخراب ويتأفّف من وفرة دماء الموتى!..وأيضا : ينتظر.

أيا خالد..ضجرت ذاكرة التاريخ.ضجر الشهود.ضجرت الأسلحة والقوانين والمذاهب والسماوات،وضجرت أرواح

الموتى..لكن-وحدها-شهوة القاتل إلى مزيد من الدم..لم تضجر!

الدّم يشحذ شهية الدّم …

أنت الآن في رحاب الله حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..أما أبناء-غزة-الأشاوس فهم في عراء الخليقة الدّامي،تتقاذفهم الرّياح الكونية من زنزانة..إلى معتقل..إلى هواء يتهدّم..إلى أرض تنتفض..إلى عدالة عمياء..إلى قاض أخرس..إلى ضمير أعزل وكفيف..وإلى أمل يضيق ولا يتهدّم..

وعلى شاشة الملأ الكوني،تترقرق الدّمعة الأكثر إيلاما وسطوعا في تاريخ صناعة العذاب،وتعلو صيحة الضمير الأعزل المعطوب،دون أن تُسمَع..!

ودائما : ثمة شهداء يسقطون..ودائما خلف القاتل،ثمة حلفاء وقضاة وجيوش..وخلف الضحية..العماء والصّمت..وخلف العماء والصّمت..شعب يقيم أعراسه على حواف المقابر: أعراس مجلّلة بالسواد ومبلّلة بالنحيب..أعراس دم.

لكن..ثمة أمل…

ثمة أمل ينبثق من دفقات الدّم ووضوح الموت..أمل يتمطى عبر نباح الرشاشات وعويل المدافع..

وحده الفلسطيني اليوم..-يا خالد-بإمكانه أن يحمل بين ضلوعه أملا وضّاء ينير عتمات الدروب أمامه..

ووحده بإمكانه أن يقايض سخط الجلاّد الحاقد بكلمة الأمل الغاضب..فقد علّمنا التاريخ-يا خالد-أنّه في أحيان كثيرة يمكن للأمل الأعزل أن ينتصر على جنون القوّة المدرّعة..

كما علّمنا كذلك،أنّ السفّاح-بما يريقه من دم-يحدّد الثمن النهائي لدمه.

لهذا سيذهب-الفلسطيني-نيابة عنك وعن حفيدتك-بأحلامه من حافة الموت إلى حافة الحياة حيث سيرى خلف دخان الجنون وجلبة القوّة : علمَ فلسطين وشمسها ونخيلها وبساتينها وسماءها..

وتحت سمائها تلألأ الرنّة السخيّة لفرح الإنسان..

هناك،وعلى التخوم الفاصلة بين البسمة والدّمعة،سيعثر على-فلسطين الصامدة-وقد هيّأت له مقعدا مريحا ونافذة مفتوحة وسماء صافية وظلا ظليلا..ورغيفا لذيذا..وأنشودة نصر يرقص على ايقاعها أبطال ينشدون الحرية بجسارة من لا يهاب الموت..لينزل ضيفا جليلا على مائدتها..مائدة الشهداء..

والشهداء الأحياء: مائدة التاريخ.

ونحن..يا خالد..!

نحن الذين نخبئ في عيوننا عتمات الأحزان..نحن من المحيط إلى الخليج أمام البحر المتوسط،تنتصب أمامنا حاجبات الوميض،نقرأ أوجاعنا ونردّد كلمات لم نعد نعرف أن نكتبها..!

موتك-يا خالد-سيظلّ وصمة عار على جباه-لا تعرق خجلا-..لعنة أبدية تلاحق بسخطها حفاة الضمير..

ولكن..

سينتصب الحقّ شامخا،يخرّ الباطل صريعا..وينبلج الصبح على فلسطين.

لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات الآفاقين..وعراة الضمير..

وداعا..خالد نبهان..

*استشهد اليوم الاثنين 16نوفمبر/تشرين الثاني  2024 المواطن الفلسطيني خالد نبهان صاحب مقولة "روح الروح" الشهيرة،وذلك إثر قصف للاحتلال الإسرائيلي على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.

واشتهر نبهان بمقولة "روح الروح" التي وجهها لحفيدته ريم خلال توديعها بعدما قتلها الجيش الإسرائيلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

خالد الذي أثار مشهدا مؤثرا له وهو يحتضن حفيدته الشهيدة التي لم تتجاوز الست سنوات،أصبح رمزًا للألم الفلسطيني،وفي تلك اللحظة،بينما كان يقبل حفيدته مبتسمًا،كان يعكس حزنًا عميقًا لا يمكن أن يعبر عنه بالكلمات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023،تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو للجد نبهان وهو يحمل جثمان حفيدته ويلاطفها بكلمات حنونة من قبيل "روح الروح"،ويحتضنها في لحظات الوداع الأخير.

صورة خالد مع حفيدته تحولت إلى أيقونة توثق بشاعة انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي ضد أطفال فلسطين وشعبها، ليكون هذا المشهد جزءًا جديدًا من فصول المأساة المستمرة في فلسطين.

وفي مقاطع فيديو وتصريحات لاحقة للحظة استشهاد حفيدته المؤلمة، تحدث نبهان مرارًا عن ذكريات جمعتهما تجسد العلاقة الفريدة التي تجمع الأجداد بأحفادهم.

 

اخر الأخبار