ثورة يناير.. شجرة أبدية للحرية
محمد عزت علي الشريف
أمد/ ليست فنجانَ عرافة حتى يَقلبَها دجّال، ولا بائعة هوى فينقلب عليها أفّاق .
الثورة أعمق من فنجان يُعطِي نفسه لقارئه في أقل من عشر دقائق. وأطهر من امرأة تلتقط المراهقين المُرَصّعِين طوال الوقت على جنبات الطريق. ثورة قامت قبل أكثر من عشر سنوات كثورة يناير، ولا زالت تقض مضاجع مناوِئيها لا يمكن أبداً وصفها ب "محض فنجان" ولا وصف أحداثها ب "محض زوبعة" نعم، الثورة أعمق من فنجان، وأعتى من زوبعة.
والذين يقولون غير ذلك هم محض واهمين، وإنما تلك أمانِيّهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ثورة يناير ليست بتلك الخفة والسطحية التي يتخيّلون، بل الخفة والسطحية إنما هي تلك التي في أدمغة هؤلاء الذين يتوهمون ويتمنَّون، ويُمَنُّون النفس بما لا يمكن أبداً أن يحدث أو يكون. ثورة يناير يا السادة، هي أكبر إنجازٍحضاريّ قدّمته مصر طوال تاريخها في مجال حقوق الإنسان.
وأمّا الذين يُحسنون الظن بثورة يناير و يصفونها بالجبل، أقول لهم: عيبٌ وضَعفٌ في الجبل أن يهزّه رِيح، لكن ثورة يناير ليست جبلاً، بل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
إنك إن لم يُمكن لك ً الإمساكَ بالظلّ، إلا أنك حتماً شاعرٌ به مُستَظِل.
هي بحقّ وبموضوعيةِ شجرةٌ راسخة، والشجرة شجرة في كل ظرف وعلى كل حال، لكنه – وبطبيعة الحال – لا الظرف دوماً هو الظرفُ ولا الحال هو نفس الحال. فأوراق الشجرة يأتي عليها زمان تذبل فيه ومن ثمّ تجفّ و تسقط، لكن لا يعني هذا أن الشجرة تحتضر، أو أن الشجرة تموت وتتحلل، وإنما هي الفصول تتغيّر.
فإذا ما جاء زمان الربيع فمن الطبيعي أن نقول أن الربيع تَحوَّل، لكن الشجرة ثابتة ضاربة بجذورها في أقصى العمق، وفروعها باسقةٌ في الآفاق، وما أن يروح ربيعٌ حتى يعود ربيع ، يعود ومعه يعود للفرع اليابس خضرته، و للأوراق نضارتها، ومن ثمّ تَؤوب العصافير المهاجرة، وينعقد للطبيعة مهرجان. ومهرجان بعد مهرجان يشهد بأن جذع السنديان أبديٌّ لا يتحوّل أو يتغيّر.
هكذا هي الثورةُ الشجرة؛ جميلةٌ، بهيّةٌ، نضرة، لكنها وفي ذات الوقت عصيّةٌ أبيّةٌ قوية.. تأبى إلاّ أن تتراقص العصافيرُ فوق أغصانها، وتشدو البلابل للرقص الجميل ألفَ أُغنية..
إيْهٍ إيهِ يا أنتِ.. يا ثورة الحرِّيّة!!.
