دراسة صادمة تكشف تراجعًا كارثيًا في متوسط الأعمار

تابعنا على:   20:32 2025-01-31

مارسيل غطاس

أمد/ في كارثةٍ غير مسبوقة، كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في جامعة بنسلفانيا الأمريكية عن انخفاض حاد في متوسط العمر المتوقع لسكان قطاع غزة نتيجة الحرب المستمرة، حيث تراجع من 75.5 عامًا قبل الحرب إلى 40.5 عامًا فقط خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024. هذه الأرقام تعكس حجم المأساة التي لم تقتصر على القصف والتدمير، بل امتدت لتسلب الفلسطينيين أعمارهم حرفيًا، وتعيد عقارب الساعة عشرات السنين إلى الوراء.

حربٌ تأكل الأعمار قبل الأجساد

تُظهر الدراسة أن تأثير الحرب على متوسط العمر المتوقع في غزة يفوق بكثير أي صراعات حديثة أخرى. فبينما تتسبب الحروب عادةً في ارتفاع معدل الوفيات، فإن النزاع الحالي في غزة أدى إلى انهيارٍ كامل في المؤشرات الصحية، بحيث أصبح الأمل بالحياة للمواطن الغزي أقصر بعقود مما كان عليه.

المفارقة المروّعة التي كشفتها الدراسة تكمن في أن الغارات والقصف لم يكونا وحدهما العامل الرئيسي، بل لعبت الأزمات الإنسانية، وانهيار المنظومة الصحية، وشحّ الغذاء والدواء، وانعدام الخدمات الأساسية دورًا أكبر في تقليص العمر المتوقع بهذا الشكل الكارثي.

التأثير على الرجال أشد قسوة

من بين أبرز نتائج الدراسة، كان التأثير الكبير على الرجال الذين فقدوا أكثر من نصف متوسط عمرهم المتوقع، حيث انخفض من 73.6 عامًا إلى 35.6 عامًا، أي بنسبة 51.6%، بينما كانت النساء أقل تأثرًا نسبيًا، لكنهن أيضًا فقدن 38.6% من أعمارهن المتوقعة، لينخفض متوسط العمر المتوقع لهن من 77.5 عامًا إلى 47.5 عامًا.

ما وراء الأرقام: جيلٌ بلا مستقبل؟

رغم قسوة الأرقام، إلا أن الباحثين يؤكدون أن الواقع قد يكون أسوأ مما أظهرته الدراسة، لأن التقديرات لا تشمل بعد الوفيات غير المباشرة الناجمة عن انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية، أو حتى الأزمات النفسية والجوع والأمراض التي تنتشر في بيئة معدومة الخدمات مثل غزة.

كما أن الآثار بعيدة المدى قد تتفاقم على مدى السنوات المقبلة، حيث سيعاني الناجون من أزمات صحية ونفسية مزمنة قد تساهم في خفض العمر المتوقع بشكل إضافي.

“مجزرة صحية” بأبعاد غير مسبوقة

يرى الخبراء أن ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب، بل “مجزرة صحية” بكل المقاييس. فالانخفاض بهذه النسبة في متوسط الأعمار يُشبه ما حدث في أسوأ الأوبئة والمجاعات في التاريخ الحديث.

وفي حين أن الحروب عادةً تترك آثارًا على الأجيال القادمة، فإن ما يحدث في غزة يتجاوز ذلك، إذ أن تدمير البنية التحتية الصحية والاجتماعية سيجعل التعافي شبه مستحيل، ما لم يتم إعادة بناء النظام الصحي بالكامل وضمان بيئة مستقرة وآمنة.

هل يعكس هذا الواقع الحقيقي؟

يؤكد الباحثون أن هذه الأرقام لا تمثل سوى الحد الأدنى من الخسائر، إذ لم تشمل الدراسة العوامل النفسية والاجتماعية، مثل ارتفاع معدلات الانتحار، أو الأمراض المزمنة الناجمة عن الإجهاد والتغذية السيئة، أو حتى معدلات وفيات الرضع الناتجة عن نقص الرعاية الصحية.

كما أن تدمير المستشفيات والبنية التحتية الطبية يجعل من الصعب الحصول على رعاية مناسبة، مما يزيد من احتمالات الوفاة المبكرة حتى بعد توقف القتال.

ماذا بعد؟

30 عامًا من العمر المفقود ليست مجرد إحصائية، بل جرس إنذار للمجتمع الدولي حول حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة. ومع استمرار الحرب، قد تتفاقم هذه الأرقام بشكل يصعب حتى دراسته الآن.

إن كان هذا هو التأثير في غضون عامٍ واحد فقط، فالسؤال الأكبر يبقى: كم من العقود ستحتاج غزة لاستعادة حياة أبنائها؟

كلمات دلالية

اخر الأخبار