غِيَابُ العَقلِ النَّقدِيِّ وَانْحِطَاطُ الوَعْيِ: أَخْطَرُ الأَمْرَاضِ الفِكْرِيَّةِ !
د عبد الرحيم محمود جاموس
أمد/ فِي عَصْرِ المَعْلُومَاتِ، لَا يَكْمُنُ التَّهْدِيدُ الأَكْبَرُ لِلبَشَرِ فِي الأَوْبِئَةِ البَيُولُوجِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي غِيَابِ العَقلِ النَّقدِيِّ وَانْحِطَاطِ الوَعْيِ الجَمَاعِيِّ.
فَالعَقلُ النَّقدِيُّ هُوَ الأَدَاةُ القَادِرَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقَائِقِ وَالأَوْهَامِ، بَيْنَمَا يُؤَدِّي غِيَابُهُ إِلَى تَفَشِّي الجَهْلِ، وَالتَّعَصُّبِ، وَالتَّلَاعُبِ الجَمَاهِيرِيِّ.
إِنَّ ضُعْفَ التَّفْكِيرِ النَّقدِيِّ يَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ انْتِشَارِ الخُرَافَاتِ وَنَظَرِيَّاتِ المُؤَامَرَةِ، حَيْثُ يُصْبِحُ النَّاسُ عُرْضَةً لِتَصْدِيقِ الأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ دُونَ تَمْحِيصٍ.
تَسْتَغِلُّ الأَنْظِمَةُ السُّلْطَوِيَّةُ وَالجَمَاعَاتُ المُتَطَرِّفَةُ هَذَا القُصُورَ فِي وَعْيِ الأَفْرَادِ وَالجَمَاعَاتِ لِفَرْضِ هَيْمَنَتِهَا عَبْرَ الدِّعَايَةِ وَالتَّضْلِيلِ.
وَمِنَ الأَمْثِلَةِ التَّارِيخِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، اسْتِغْلَالُ الأَنْظِمَةِ الفَاشِيَّةِ وَالدِّيكْتَاتُورِيَّةِ لِلْجَهْلِ الشَّعْبِيِّ لِتَمْرِيرِ سِيَاسَاتِهَا القَمْعِيَّةِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الإِنْقِيَادُ الأَعْمَى أَدَاةً بِيَدِ المُسْتَبِدِّينَ لِإِحْكَامِ السَّيْطَرَةِ عَلَى المُجْتَمَعِ.
الآثَارُ الاجْتِمَاعِيَّةُ وَالاقْتِصَادِيَّةُ لِغِيَابِ العَقلِ النَّقدِيِّ عَلَى المُسْتَوَى الاجْتِمَاعِيِّ، يُؤَدِّي انْحِطَاطُ الوَعْيِ إِلَى تَفَكُّكِ المُجْتَمَعَاتِ وَتَرَاجُعِ قِيَمِ الحِوَارِ وَالتَّسَامُحِ، مِمَّا يُعَزِّزُ الاسْتِقْطَابَ وَالانْقِسَامَ.
وَتُصْبِحُ المُجْتَمَعَاتُ عَاجِزَةً عَنْ مُوَاجَهَةِ الأَزَمَاتِ بِوَعْيٍ نَاضِجٍ، فَتَتَحَوَّلُ الخِلَافَاتُ إِلَى صِرَاعَاتٍ، وَتَضْعُفُ قُدْرَةُ الأَفْرَادِ عَلَى التَّفْكِيرِ المُسْتَقِلِّ وَاتِّخَاذِ القَرَارَاتِ الصَّائِبَةِ.
أَمَّا فِي المَجَالِ الاقْتِصَادِيِّ، فَإِنَّ ضُعْفَ التَّفْكِيرِ النَّقدِيِّ يَجْعَلُ الأَفْرَادَ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلاسْتِغْلَالِ الرَّأْسِمَالِيِّ، عَبْرَ سِيَاسَاتٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ تُخْدِمُ مَصَالِحَ الشَّرِكَاتِ الكُبْرَى دُونَ مُرَاعَاةِ العَدَالَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ.
يُدْفَعُ الأَفْرَادُ إِلَى الاسْتِهْلَاكِ غَيْرِ الوَاعِي، حَيْثُ يَتَحَوَّلُونَ إِلَى أَدَوَاتٍ فِي مَنْظُومَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ تَسْتَنْزِفُ قُدُرَاتِهِمْ وَمَوَارِدَهُمْ دُونَ تَفْكِيرٍ فِي العَوَاقِبِ طَوِيلَةِ المُدَى.
كَيْفَ نُوَاجِهُ انْحِطَاطَ الوَعْيِ؟
الحَلُّ يَكْمُنُ فِي تَعْلِيمِ التَّفْكِيرِ النَّقدِيِّ مُنْذُ الصِّغَرِ، عَبْرَ مَنَاهِجَ تَرْبَوِيَّةٍ تُعَزِّزُ التَّحْلِيلَ وَالتَّسَاؤُلَ بَدَلًا مِنَ التَّلْقِينِ، وَتُشَجِّعُ عَلَى البَحْثِ وَالجَدَلِ القَائِمِ عَلَى الأَدِلَّةِ.
كَمَا أَنَّ نَشْرَ ثَقَافَةِ القِرَاءَةِ وَالنِّقَاشِ الحُرِّ يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ وَعْيٍ مُجْتَمَعِيٍّ قَادِرٍ عَلَى مُقَاوَمَةِ التَّلَاعُبِ وَالتَّضْلِيلِ.
إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ، تَتَحَمَّلُ وَسَائِلُ الإِعْلَامِ مَسْؤُولِيَّةً كَبِيرَةً فِي مُحَارَبَةِ التَّضْلِيلِ، مِنْ خِلَالِ تَقْدِيمِ مُحْتَوًى مَوْضُوعِيٍّ يَسْتَنِدُ إِلَى الحَقَائِقِ وَالأَدِلَّةِ، بَدَلًا مِنَ التَّرْوِيجِ لِلْخِطَابِ العَاطِفِيِّ وَالمُوَجَّهِ الَّذِي يُخْدِمُ مَصَالِحَ مُحَدَّدَةٍ.
غِيَابُ العَقلِ النَّقدِيِّ:
تَهْدِيدٌ حَضَارِيٌّ إِنَّ غِيَابَ العَقلِ النَّقدِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُشْكِلَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَرَضٌ يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَاتِ وَالحَضَارَاتِ، وَيَجْعَلُهَا عُرْضَةً لِلانْهِيَارِ أَمَامَ أَيِّ مَوْجَةٍ مِنَ التَّضْلِيلِ أَوِ الاسْتِبْدَادِ.
فَالمَعْرَكَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فَقَطْ ضِدَّ الفَقْرِ أَوِ المَرَضِ، بَلْ أَيْضًا ضِدَّ الجَهْلِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ أَخْطَرَ مِنْ كِلَيْهِمَا.
وَحِينَ يَغِيبُ التَّفْكِيرُ النَّقدِيُّ، تَحِلُّ الغَرَائِزُ وَالعَوَاطِفُ مَحَلَّ العَقْلِ فِي تَوْجِيهِ الآرَاءِ وَالمَوَاقِفِ، مِمَّا يَجْعَلُ الجَمَاهِيرَ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلإِنْقِيَادِ مِنْ قِبَلِ القُوَى الَّتِي تُتْقِنُ اسْتِخْدَامَ الشِّعَارَاتِ الكَاذِبَةِ وَالتَّضْلِيلِيَّةِ.
