رؤيتنا... فلسطين انتصرت في قطاع غزة

تابعنا على:   16:03 2025-02-09

رامز مصطفى

أمد/ الحديث عن انتصار فلسطين في قطاع غزة وإن جاء متأخراً بعض الشيء، إنما مرده لسببٍ جوهري هو التفحص في ظلِّ احتدام الجدل بين من لا يرى فيما تحقق على أنه انتصار، بل هو انكسار في ظلِّ هول ما ارتقى من الشهداء الذين فاق عددهم ما يزيد عن 45 ألف شهيد وأكثر من 10 آلاف شهيد أخر لا زالوا تحت الركام، وأكثر من 150 ألف جريح، ودمار مهول وغير مسبوق لآلة حرب الإبادة الجماعية الصهيوأمريكية. وبين من يرى أنّ الشعب الفلسطيني ومقاومته وعلى مختلف مسميات كتائبها المقاتلة وفي مقدمتهم كتائب القسام وسرايا القدس، قد حققوا انتصاراً تاريخياً ستظهر نتائجه الاستراتيجية تباعاً على مستويات في أبعادها المختلفة. وهنا أقرّ لم أشاهد تبايناً حول معركة قد اختلط فيها التفسير لمفهوم الربح والخسارة وتحديدهما كما هو الحال مع معركة "طوفان الأقصى" التي عرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، فقد قهره الشعب الفلسطيني بصموده وتمسكه بأرضه، وقهرته المقاومة ببسالتها في معركة الطوفان وفي معارك الشرف والبطولة خلال حرب الإبادة، وقهره الشعب الفلسطيني في مشهد عودته لمناطق شمال غزة، وقهرته المقاومة في مشاهد إطلاق أسراه لديها.
نحن هنا نصطف مع من رأوا أنّ هناك انتصاراً قد تحقق في قطاع غزة، على الرغم من الأكلاف العالية والغالية التي دفعها شعبنا من أبنائه ومقدراته. ورؤيتنا في الانتصار قائمة على: -
1. إذا كان الصحيح في الحكم على الأشياء يعتمد على النتائج، ولكن الصحيح أيضاً علينا عدم إغفال أنّ ما أحدثته ملحمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر تشرين الأول من العام 2023 من زلزال لا زالت تداعياته ترخي بنتائجه على غير مستوى وصعيد داخل الكيان الصهيوني أولاً، ومن ثم لتمتد ارتداداته في كافة أرجاء دول العالم، ويقع في مقدمتهم رعاة وحلفاء الكيان الصهيوني في الواقعين الدولي والإقليمي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية.
2. نعم لا يستطيع عاقل أن ينفي أو يتجاهل أنّ العدو الصهيوني بآلة قتله وتدميره قد حقق انجازاً بأنه تمكن من إلحاق الأذى الشديد بشعبنا لجهة إبداعه في إظهار قدراته الإجرامية في أيقاع أعلى نسبة من المجازر والمحارق خلال 15 شهراً من حرب الإبادة الجماعية. بالإضافة إلى دمار واسع لكامل جغرافية قطاع غزة بمدنه ومناطقه ومخيماته ومستشفياته وطواقمها، ومدارسه وجامعاته وأساتذتها، ودوائره الحكومية ومساجده وكنائسه، وبناه التحتية من شبكات ومحطات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه والصرف الصحي. ولكن هل حقق الكيان الصهيوني وحكومته الفاشية أياً من أهدافها المعلنة على مدار 15 شهر من العدوان وحرب الإبادة. بالتأكيد لم يحقق سوى القتل والدمار وهذا نقرُّ ونعترف به، غير ذلك فالأهداف التي أعلنها وحرص على التأكيد عليها حتى الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان عن التوصل إلى وقف للنار وعقد الصفقة ذات الثلاثة مراحل لإطلاق الأسرى الفلسطينيين لدى العدو، والأسرى الصهاينة لدى المقاومة. وتلك الأهداف لم تعد تخفى على أحد لكثرة ما تمّ تكرارها على لسان الفاشي نتنياهو وأركان وقادة حربه الإجرامية. ولكن لإنعاش ذاكرة المتجاهلين لفشل وسقوط تلك الأهداف فقط أورد هدفين لم يتحقق منهما شيء، أولهما القضاء على المقاومة بكل كتائبها وقادتها ومجاهديها ومقاتليها وبناها وقدراتها التحتية من أنفاق ومخازن ومصانع للأسلحة والصواريخ والمُسيّرات. وهذا ما لم يتحقق على ما لحق بها من خسائر بشرية في المقاتلين والقادة وهذا طبيعي في كل الحروب والمعارك وخصوصاً في حربٍ خاضتها المقاومة بشعار النصر أو الاستشهاد فتحققت الاثنتين، نصرٌ واستشهاد لمقاومين وقادة أقسموا ألاّ يبرحوا ساحات المواجهة حتى الشهادة، فالسنوار والضيف ومروان عيسى وثلة من الشهداء القادة استشهدوا في معركة الشرف والبطولة حتى أخر رصاصة ورمق ونفس في أجسادهم الطاهرة. وأما الثاني، فهو إرغام وإجبار أبناء شعبنا في مدن القطاع ومخيماته وتحت وقع المجازر على مدار الساعة خلال 15 شهراً، من أجل دفعه على ترك أرضه نحو سيناء، وهذا الهدف لم يتحقق على الإطلاق. وما الصمود الأسطوري ومشاهد طوفان العودة لأهلنا نحو مدنهم ومناطقهم ومخيماتهم إلاّ الدلالة على فشل الهدف الثاني من أهداف حرب الإبادة. ناهينا عن الانسحاب من معبر نتساريم ومحور فيلادلفيا، وعدم عودة الأسرى الصهاينة إلاّ من خلال صفقة لتبادل الأسرى قد بدأت في مرحلتها الأولى بخطى حثيثة رغم التهويل والتهديد والوعيد.
3. النظرة الإنسانية الضيقة التي كان الرأي العام العالمي يتعاطى بها مع القضية الفلسطينية، بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة تحولت إلى نظرة سياسية واسعة مؤيدة لا متعاطفة وحسب وبكل ما تعني الكلمة من معنى. فقد أضحت قضية عالمية لرأي عام طافت به الساحات والميادين في دول العالم، وعلى وجه الخصوص ميادين الدول التي وقفت خلف الكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية على شعبنا. وميادين من وقف أمام الكيان الفاشي العنصري في تلك الحرب الإجرامية، وهي الإدارة الأمريكية الغاشمة الشريكة في سفك دماء أبناء شعبنا. تلك الميادين التي طافت بشكل يومي ولا زالت على مدار أشهر حرب الإبادة وحتى الآن، هي وفي الوقت الذي انتصرت فيه لفلسطين وشعبها ومقاومتها، كانت تعقد المحاكمات الشعبية اليومية لقادة الكيان المجرم وفي مقدمتهم قاتل الأطفال والنساء "بنيامين نتنياهو" وجوقة إجرامه.
4. أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية على المشهد القانوني الدولي، حيث شهدت المحاكم الدولية حراكاً غير مسبوق بهدف مقاضاة الكيان على ما ارتكبه خلال حرب الإبادة الجماعية الموصوفة بعد الدعوة التي رفعتها دولة جنوب إفريقيا ضد كيان الاحتلال وقادته أمام الجنائية الدولية التي قرر قضاتها ولأول مرة منذ قيام الكيان الغاصب اعتقال رئيس حكومتها "نتنياهو" ووزير دفاعه "غالانت". وكذلك محكمة العدل الدولية ورأيها الاستشاري الذي يُطالب كيان العدو بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وبتفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين، وإعادة المهجرين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها العام 1967 والتعويض عليهم عن سنوات الاحتلال. والجمعية العامة للأمم المتحدة بالاستناد لرأي محكمة العدل، أصدرت قراراً دعت فيه الاحتلال الصهيوني للانسحاب من الأراضي المحتلة خلال عام واحد. ورغم أنّ القرار أو الرأي ليس ملزماً ولا يرضينا كفلسطينيين، غير أنه في سياق القانون الدولي هام بالنسبة للقضية الفلسطينية. ومن التطورات الهامة أصبحت الدول التي تعترف بدولة فلسطين 149 دولة من مجموع 193 دولة.
5. السقوط المدوي للولايات المتحدة والغرب الأوربي، من خلال انحيازهم المطلق للكيان الصهيوني واعتبار حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني دفاع عن النفس في مواجهة ما أسموه "الإرهاب الفلسطيني". حيث تعاني الولايات المتحدة على وجه الخصوص من عزلة متزايدة في العالم لدعمها وانحيازها الأعمى إلى جانب الكيان. وما حراك الجامعات الأمريكية واستقالة البعض من مسؤولي وزارة الخارجية، وانكفاء أو انفضاض الكثيرين من محازبي الحزب الديمقراطي حزب الرئيس بايدن وسقوط المرشحة هاريس في الانتخابات الأمريكية، إلاّ الدليل على النقمة العارمة عللا سياسات الإدارة الأمريكية في عهد بايدن، واليوم في عهد الرئيس ترامب من خلفية تهديده بترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية إلى مصر والأردن، وقد توعدهما دونالد ترامب بمواجهة المزيد من خفض الدعم الأمريكي لهما في حال عدم التساوق مع طرحه.
6. صورة الكيان الصهيوني التي كُسِرت وتهشمت لدى الرأي العام العالمي ككيان عنصري فاشي نازي. حيث انفجر جنونه بوحشية متوقَّعة وغير مستغربة في حرب الإبادة على مدار15 شهراً. وتاريخه شاهد عليه بأسوأ الفظائع، بسببٍ ومن غير سبب، فهو كان ولا زال يُمعن عن سابق تصور وتصميم في تنفيذ التدمير الممنهج على أرض قطاع غزة حتى بعد بدء سريان وقف إطلاق النار وتنفيذ المرحلة الأولى من تبادل الأسرى. وفي المقلب الأخر وضعت الكيان بقادته وأحزابه ونخبه ومستوطنيه أمام حقيقة ترسخت أكثر فأكثر في تزايد الخطر الوجودي، حيث ما كتبه المحلل الصهيوني "آري شافيط" في مقالة قال فيها "اجتزنا نقطة اللاعودة، وإسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا طعم للعيش فيها. والحركة الصهيونية استخدمت المكر في الشخصية اليهودية عندما ضخمت المحرقة، وأنّ الهيكل المزعوم تحت الأقصى. حان وقت الرحيل إلى سان فرانسيسكو أو برلين". وترافق ذلك مع تزايد الخطر الديمغرافي على كيان العدو حيث وصلت أعداد الصهاينة الذين غادروا فلسطين المحتلة من 7 أكتوبر تشرين الأول الماضي إلى نحو ما يُقارب 800 ألف مستوطن. وليس بعيداً بل في القلب من التداعيات داخل الكيان ذاك المشهد التي طبعت فيه تلك التوترات داخل حكومة نتنياهو وائتلافه الفاشي، نظراً إلى تحميل نتنياهو الفشل في توقع هجوم المقاومة في 7 أكتوبر 2023. حيث شهدت تلك الحكومة المجرمة تساقط وإقالة عدد من وزرائها.
وختاماً أقرّ، لم أشاهد تبايناً حول معركة قد اختلط فيها التفسير لمفهوم الربح والخسارة وتحديدهما كما هو الحال مع معركة "طوفان الأقصى"، التي عرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. فقهره الشعب الفلسطيني بصموده وتمسكه بأرضه، وقهرته المقاومة ببسالتها في معركة الطوفان وفي معارك الشرف والبطولة خلال حرب الإبادة، وقهره الشعب الفلسطيني مرة أخرى في مشهد عودته لمناطق شمال قطاع غزة، وقهرته المقاومة مجدداً في مشاهد إطلاق أسراه لديها في تنفيذ المرحلة الأولى من صفقة التبادل، فانتصرت فلسطين في قطاع غزة.

اخر الأخبار