الخطر لا يأتي من صوت الطغاة، بل من صمت العقلاء
محمد ناجي الهميس
أمد/ الطغاة عبر التاريخ لم يكونوا يومًا مصدر الخطر الوحيد… بل كان الخطر الحقيقي يكمن في أولئك الذين صمتوا، وهم يملكون الكلمة، وتواروا، وهم يملكون الموقف. إن الطغيان لا ينمو في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة من الصمت واللامبالاة والخذلان ليتمدد ويستفحل.
في غزة اليوم، لا نسمع فقط صوت القصف والدمار، بل نسمع قبل ذلك وأشد منه، صمتًا رهيبًا من عواصم القرار، ومن المؤسسات التي تدّعي حماية حقوق الإنسان، ومن قادة الأمة الذين كانوا يومًا يملؤون الدنيا ضجيجًا بالخطابات الرنانة… أين ذهبت تلك الأصوات؟ وأين اختفى ذلك الغضب الذي كانت تغذّيه مجرد كلمات في نشرة أخبار؟
إن الطغاة لا يخافون الصراخ، بقدر ما يخشون صوت الحق حين يخرج من أفواه العقلاء. لأن صوت العاقل حين يصدح، يوقظ النائمين، ويحرّك الغافلين، ويحرج المتخاذلين. أما حين يسكت العقلاء، فإن الطغاة يطمئنون، ويتمادون، ويحسبون أن الأرض قد دانت لهم.
اليوم، غزة ليست فقط ضحية الاحتلال، بل ضحية الصمت العربي والإسلامي والدولي، ضحية التواطؤ، وضحية من يرون المجازر ويبررونها أو يتجاهلونها. والمؤلم أن بعض هذا الصمت ليس عجزًا، بل تواطؤ مقنّع باسم "الحكمة" أو "السياسة" أو "عدم التصعيد".
يا من تصمتون وأنتم قادرون على الكلام، إن التاريخ لا يرحم، والأجيال لا تنسى، والدماء لا تجف دون أن تُكتب بها شهادات. فاختاروا أن تكتبوا أسماءكم في سجلات الشرفاء، لا في قوائم الخانعين.
ولنعلم جميعًا أن أخطر ما قد يحدث لأمتنا، هو أن يصبح الطغيان أمرًا عاديًا، وأن يصير الصمت عادة، وأن نعتاد على رؤية المظلوم بلا أن نحرّك ساكنًا.
فالساكت عن الحق ليس فقط شيطانًا أخرس، بل شريك في الجريمة، وشاهد زور أمام الله والتاريخ والضمير.
