الهند وباكستان… شرارة جديدة فوق رماد الصراع المزمن
محمد ناجي الهميس
أمد/ رغم مرور أكثر من سبعة عقود على تقسيم شبه القارة الهندية، لا تزال العلاقات بين الهند وباكستان تدور في حلقة مفرغة من الشك والتصعيد. فعلى امتداد تاريخ البلدين، ظل إقليم كشمير ساحة مفتوحة للعداء، والحدود مرجلًا يغلي بالتوتر، فيما بقيت الجراح القديمة عصية على الالتئام، والتهديدات المتبادلة أقرب للعادة منها إلى الاستثناء.
تجدد التوتر… ونذر أزمة أشد
المؤشرات الأخيرة بين البلدين لا توحي بأن الوضع يسير نحو التهدئة. فالتصريحات النارية، والاشتباكات الحدودية، والاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب أو قمع الحريات في كشمير، أعادت للأذهان أجواء الأزمات الكبرى التي كادت أن تطيح بأمن المنطقة في مراحل سابقة.
الهند، بقيادة رئيس وزرائها ناريندرا مودي، تتبنى خطابًا قوميًا متشددًا، يلقى رواجًا داخليًا كلما تصاعدت التوترات مع باكستان. وفي المقابل، تواجه إسلام آباد ضغوطًا سياسية واقتصادية تجعل من التراجع أمام الهند أمرًا محفوفًا بالمخاطر الداخلية، ما يدفعها إلى إظهار القوة والتشدد، خاصة في الملف الكشميري الذي يمثل قضية سيادية تمس وجدان الشعب الباكستاني.
تآكل الدبلوماسية وصعود لغة القوة
ما يزيد من خطورة الموقف هو التراجع الحاد في العمل الدبلوماسي بين الطرفين. فقد تآكلت قنوات الاتصال الخلفية، وتجمّدت اللقاءات الرسمية، وسط حرب تصريحات تعكس تدهورًا غير مسبوق في الثقة المتبادلة. كما دخلت الأزمة حيزًا جديدًا يشمل الاقتصاد والتجسس والمناورات العسكرية، بما يجعلها أكثر تعقيدًا وتفجرًا.
وبينما كانت الوساطات الدولية في السابق تلعب دورًا في تخفيف التصعيد، يبدو أن التأثير الخارجي اليوم أصبح أكثر هشاشة، بسبب انشغال القوى الكبرى بملفات دولية أخرى، وانقسام مواقفها: فواشنطن تميل بوضوح لكفة الهند، بينما تقف بكين أقرب إلى إسلام آباد، وهو ما يجعل التدخلات المستقبلية مرهونة بالحسابات الاستراتيجية وليس فقط برغبة في حفظ الاستقرار.
نحو نزاع محدود أم انفجار شامل؟
رغم أن اندلاع حرب نووية شاملة لا يزال مستبعدًا بفعل الردع المتبادل، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو دخول البلدين في صراع محدود، يتمثل في اشتباكات دموية على الحدود، أو عمليات نوعية متبادلة تحت غطاء "عدم الاعتراف الرسمي"، بما يشبه ما حدث في أزمة كارجيل عام 1999. مثل هذا التصعيد، وإن لم يبلغ مرحلة الحرب المفتوحة، سيكون كافيًا لتوتير الأجواء، وشحن الشعوب، وزيادة التصلب في مواقف القيادات.
الداخل يغذي الخارج
من الخطأ فصل التصعيد الخارجي عن الاعتبارات الداخلية في البلدين. ففي الهند، تسعى حكومة مودي إلى استثمار أي تصعيد مع باكستان كوسيلة لتحفيز المشاعر القومية، خاصة مع قرب الاستحقاقات الانتخابية. أما في باكستان، فالوضع الاقتصادي الصعب والضغوط السياسية الداخلية تدفع الحكومة إلى التلويح بالقوة، والتمسك بالقضية الكشميرية كورقة توحيد داخلية.
توقعات مفتوحة على كل الاحتمالات
اشتباكات حدودية أكثر كثافة ودموية.
تصاعد العمليات الاستخباراتية والتخريبية المتبادلة.
تجميد شبه كامل للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.
تزايد الاحتقان الشعبي في كشمير، مع احتمال اندلاع انتفاضة جديدة.
تدخل دولي متأخر أو محدود، إلا إذا بلغت الأمور عتبة الانفجار.
ختاما :
في كل جولة من جولات التصعيد، تعيد الهند وباكستان تأكيد أن مشكلتهما لم تكن يومًا عابرة، وأن التسويات السابقة لم تكن أكثر من تأجيل مؤقت للانفجار. وبين القومية الهندوسية المتصاعدة، والهشاشة السياسية في باكستان، وغياب الضغط الدولي الفعّال، تبدو جنوب آسيا مقبلة على مرحلة جديدة من اللا استقرار، قد تبدأ بمناوشات بسيطة، ولكن لا أحد يستطيع الجزم أين يمكن أن تنتهي.
