“السرو يحترق ونحن نضحك: حين تنتحر الذاكرة وتُشنق الأرض على أعمدة الجهل”
مارسيل غطاس
أمد/ يا للعار!
احترق السرو في القدس… فتهللت وجوهنا كأنما انتصرنا!
احترقت الشجرة التي تشهد على عمر الأرض، فصفق البعض بيننا وهتف: “اللهم زد وبارك!”
كأنما نحرق الغاصب لا الغابة.
كأنما النار تُصلي وجه المحتل، لا وجه البلاد.
سخيفون نحن، حد البلادة.
سخيفون نحن، حد الخيانة.
نرقص فوق رماد الزيتون، ونغني بينما تُدفن الجذور في الحريق.
نضحك على النار وهي تلتهم ترابنا، وكأنّ شجرة السرو لا تملك في أرومتها ذاكرة أشرف من صراخنا، وأصدق من ادعائنا السقيم بأننا “أصحاب الأرض”.
من قال إن الشجرة عدو؟
من قال إن الجذع الذي ظلّل الفدائي ونقش تاريخه بالسكين هو خصم؟
من قال إن الأرض تُحرَّر بالشماتة، وأن الغابة تُنتقم منها لأنها صامتة؟
لو نطقت الأشجار، لقالت: “أنتم لا تستحقون هذه البلاد.”
لو تنفست الحجارة، لتبرأت من خطاكم.
فالقدس، حين تحترق، لا تحتاج إلى مزيد من الجمر؛ هي وحدها جمرة منذ ألف عام، فلماذا ننفخ فيها نكاية وكراهيةً ومزايدةً عمياء؟
الشجرة لا تكذب.
الشجرة لا تنافق، ولا تتملق لجهاز مخابرات.
الشجرة لا توقّع اتفاقيات سلام، ولا تُبايع رئيسًا مدى الحياة.
الشجرة تقف وحدها، كفلسطين: متجذرة، شاهقة، بلا حلفاء.
ومن يحترق الآن ليس غردقًا ولا طفيليات.
الذي يحترق هو السرو، الذي كانت جدائل جذوعه تصل السماء، وكان مأواه عصفور وآية، ورعشة نشيد.
هل جنّ الناس؟
أم هل استبدلنا عروبتنا بمنشور على “فايسبوك”، وضحكة صفراء فوق خراب الوطن؟
هل أصبحنا نكفر بالشجرة لأنها لا تنتمي لفصيل؟
أم نحرقها لأنها تذكرنا بأننا انقطعنا عن الأصل؟
يا هؤلاء…
من يشمت بنار القدس، لا يعرف معنى القدس.
من يتمنى احتراق التراب الفلسطيني، لا يحق له أن ينطق باسم فلسطين.
فالوطن ليس شعارًا، ولا معركة إعلامية، ولا تصفية حسابات عبر الرماد.
الوطن… هو السرو حين يحترق، ونحن نبكيه.
هو الزيتون حين يُجتث، ونحن نزرعه من جديد.
هو الأرض حين تنزف نارًا، ونحن نرتمي في جمرها، لا نفرح بها.
فيا كل من هلل للحريق،
توقف لحظة أمام مرآتك، واسأل نفسك:
هل ما زلت فلسطينيًا؟
أم صرت مجرد لاجئ في كراهية الذات، وساكنًا في خرائب الوهم؟
