نتنياهو ينفذ أفكار جابوتنسكي الأجرامية
عبدالحكيم سليمان وادي
أمد/ بداية لا بد من معرفة الخلفية الفكرية لجابوتنسكي وأثره على الأفكار الصهيونية المتطرفة التي تنفذها اسرائيل ضد الفلسطينيين بشكل عام في فلسطين ،وفي قطاع غزة بشكل خاص.
فلاديمير جابوتنسكي (1880–1940) هو مؤسس التيار التنقيحي في الصهيونية، الذي دعا إلى:
- إنشاء دولة يهودية على كامل أرض فلسطين التاريخية بالقوة العسكرية، وأكد على رفض أي حلول تفاوضية مع اصحاب الارض الأصليين .
ثم أوصى جابوتنسكي بضرورة التهجير القسري للسكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم كوسيلة لضمان توفر أغلبية يهودية، عبر ما أسماه "الجدار الحديدي" والمقصود به (ضرورة سحق الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية بعنف مفرط) .
كما رفض فكرة التعايش مع الشعب الفلسطيني المتواجد فوق أرض فلسطين ، وأعتبر الفلسطينيين تهديدًا ديموغرافيًا يجب إزالته ،حيث تُعتبر أفكار (جابتونسكي)أساسًا لأيديولوجية اليمين الإسرائيلي المتطرف في اسرائيل ، بما في ذلك الأحزاب السياسية الإسرائيلية مثل حزب "الصهيونية الدينية المسياني، وكذلك انصار كاهنا حي" ، والتي ينتمي إليها العديد من وزراء حكومة نتنياهو مثل إيتمار بن غفير وسموتريتش وآخرين من الحاخامات الأكثر تطرفا وعنصرية باعتبارهم المرجعية الدينية لتلك الأحزاب المتطرفة .
أيضا رئيس وزراء حكومة الاحتلال/نتنياهو ،يطبق أفكار جابوتنسكي في قطاع غزة بحذافيرها ومنها سياسة التهجير القسري للسكان الفلسطينيين ،وسياسة التجويع باعتبار المجاعة أداة حرب ينفذها جيش الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحصار الإسرائيلي منذ السابع من اكتوبر 2023 المفروض على غزة، منع دخول الغذاء والدواء، بهدف خلق ظروف معيشية لا تُطاق في غزة، وهذه عملية هندسة لسياسة التجويع التي قد يُجبر السكان الفلسطينيين على النزوح خارج فلسطين بسبب التجويع ، وهو ما يتوافق مع فكرة جابوتنسكي عن تنفيذ"التطهير الديموغرافي" في فلسطين .
كذلك الأمر، تصريحات وزراء في حكومة نتنياهو (مثل بن غفير وسموتريش) تدعو صراحةً إلى إعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة مثال تهجيرهم قسرا نحو صحراء سيناء المصرية أو إلى أرض الصومال المنفصله عن دولة الصومال، وهو ما رفضه المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية وحتى حليف اسرائيل،الولايات المتحدة الأميركية، وتم وصف هذا المخطط بـ"جريمة حرب" .
من جانب آخر، تقوم اسرائيل بممارسة العنف الممنهج لتفكيك البنية التحتية الفلسطينية،حيث تقوم قوات الاحتلال الاسرائيلي بتدمير المستشفيات والمدارس في قطاع غزة مثال نموذج قصف مدرسة الأمم المتحدة التي قُتل فيها 93 مدنيًا فلسطينيا، وهذا يُذكرنا بتكتيكات "العقاب الجماعي" التي نادى بها جابوتنسكي لسحق المقاومة الفلسطينية .
اضافة لذلك، هناك تقارير حقوقية من منظمات دولية عديدة،تتهم إسرائيل بـتنفيذها للإبادة الجماعية في قطاع غزة، حيث يُقتل المدنيون الفلسطينيون بنسب غير مسبوقة، سيما وتم قتل أكثر من 61 ألف فلسطيني حتى أغسطس 2025 ، إضافة إلى إصابة اكثر من 135 الف جريح.
اما حول سياسة الاستيطان الإسرائيلية كأداة للسيطرة وسرقة الأراضي الفلسطينية ومصادرتها وتحويلها إلى مستوطنات اسرائيلية وتحديدا في مناطق الضفة الفلسطينية والقدس المحتلة، فإنه
رغم تركيز (جابوتنسكي) على مناطق الضفة الغربية والقدس، فإن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي/نتنياهو في قطاع غزة بعد احداث السابع من اكتوبر تهدف إلى تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، تمهيدًا لضمها بعد إخلائها من السكان الفلسطينيين الأصليين ، كما حدث في التهجير القسري للشعب الفلسطيني عام 1948 لما يسمى بالنكبة الفلسطينية .
السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه، ما هو الفرق بين المفكر الصهيوني جابوتنسكي وبين مجرم الحرب نتنياهو؟
والإجابة بسيطة وهي ان نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة يمارس البراغماتية السياسية، بينما كان المتطرف الصهيوني جابوتنسكي صريحًا في دعوته للقتل والعنف ضد الشعب الفلسطيني، اما المجرم /نتنياهو ،يمارس خطابًا "أمنيًا" لتبرير أفعاله (مثل "القضاء على حماس وضرورة أن تسلم سلاحها وان يتم ترحيل بعض قادتها خارج فلسطين.
أما حول التوظيف الانتهازي للأيديولوجيا الصهيونية، كشف تسريب لتصريحات نتنياهو عام 2019 أنه استخدم تمويل حماس من دولة قطر، لهدف واحد ووحيد ، وهو ضمان استمرار الانقسام الفلسطينيي بين حركتي فتح وحماس سياسيا،وبين الضفة وغزة جغرافيا وسياسيا،وكذلك لإضعاف السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، وهو نهج لا يتعارض مع هدف جابوتنسكي النهائي الذي يهدف إلى تفكيك الشعب الفلسطيني وتمزيقه.
أضف إلى ذلك تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة في شهر 8 من العام 2025 إلى شبكة i24 الإسرائيلية التي عكست تحولا جذريا في السردية الإسرائيلية الرسمية التي يمثلها رئيس الحكومة شخصيا، وتبنيا رسميا لأول مرة طموحات تيار الصهيونية الدينية التي لا ترى لإسرائيل أفقا بين جيرانها العرب، وإنما ترى في الأفق دولة توراتية كبرى تبني أطروحاتها بناء على الأساطير الدينية التوراتية المتعلقة بأرض الميعاد، والمسيح المنتظر ونهاية العالم والألفية السعيدة.
حيث قال نتنياهو إنه يشعر، أنه في مهمة تاريخية وروحانية ترتبط بأجيال اليهود عبر العصور، حيث اعتبر أنه هنا "بتفويض من أجيال من اليهود". كما زعم نتنياهو ، إنه في مهمة تاريخية وروحية ويُقر برؤية إسرائيل الكبرى". وإنه يشعر بالارتباط الشديد برؤية "إسرائيل الكبرى" التي تشمل ما كان يفترض أن يكون دولة فلسطينية مستقبلية- في اتفاقية أوسلو- إضافة إلى أجزاء من الأردن ومصر وسوريا ولبنان.
اما حول الجانب الدولي، كثيرا ما يراهن الفلسطينيون على ردود الفعل الدولية وانعكاساتها على القضية الفلسطينية، مثال على ذلك ، توجيه اتهامات دولية إلى دولة الاحتلال الاسرائيلي بتنفيذ الإبادة الجماعية في قطاع غزة بشكل ممنهج، حيث اتهمت مقررة الأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز ، دولة الاحتلال الاسرائيلي إسرائيل بشكل رسمي بارتكابها (إبادة جماعية ) في قطاع غزة، مشيرة إلى نمط التدمير المنهجي التي تنفذة اسرائيل ضد الفلسطينيين،والبنية التحتية وللمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد وسيارات الإسعاف ومراكز الرعاية الطبية وآبار المياه ومحطات الكهرباء وإغلاق معبر رفح ومنع المواطنين الفلسطينيين من السفر للعلاج في الخارج ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية هي ادلة واضحة للإبادة الجماعية في قطاع غزة .
امام هذه الجرائم الخطيرة التي تنفذها اسرائيل في قطاع غزة تصاعدت الاستنكارات والتصريحات الصادرة عن العديد من الدول، ولكن دون فرض اي عقوبات اقتصادية او منع بيع المعدات العسكرية إلى اسرائيل.
مع العلم ان هناك عقوبات محدودة لا قيمة لها مثل قيام بريطانيا بفرض عقوبات على عدد من المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية (مثل المستوطن المدعو/ دانييلا فايس)، إلا أن الضغط الدولي على إسرائيل يبقى غير كافٍ، ولم يصل لمستوى العقوبات الاقتصادية والتجارية والعسكرية المفروض على روسيا بسبب حربها مع أوكرانيا.
ان استمرارية المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، واستمرار الابادة الجماعية وهندسة التجويع في قطاع غزة، تُظهر سياسات المجرم/ نتنياهو واستمراره الواضح في تنفيذه لأفكار جابوتنسكي، خاصة في استخدام العنف المفرط لتحقيق أهداف ديموغرافية. ورفض أي حل يقوم على حقوق الفلسطينيين، عبر استخدام التكتيكات الحديثة مثل توظيف الحصار الاقتصادي، والقانون الدولي، كذرائع أمنية لتبرير استمرار العدوان واستمرار القتل في قطاع غزة.
حيث بقي الهدف النهائي للمجرم نتنياهو، وهو محاولته المستمرة إلى إفراغ فلسطين من سكانها الأصليين، عبر زيادة وتيرة القتل في قطاع غزة لدفع السكان للهروب خارجها، بعد ان حول غزة إلى "أكبر سجن مفتوح في العالم" معتمدا على التكتيكات الحديثة مثل تفعيل آليات السيطرة الإسرائيلية عبر فرض الحصار ، حصار بري وبحري وجوي على قطاع غزة مفروضا بالقوة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2007، حيث تفرض إسرائيل حصارًا ثلاثي الأبعاد على غزة:
كما تقوم اسرائيل بالتدمير المنهجي للبنية التحتية الفلسطينية منذ زمن بعيد، بسبب العدوان الاسرائيلي المتكرر على غزة في عام 2008، حيث شنت إسرائيل 5 خمس مرات من العدوان على غزة، دمّرت خلالها المستشفيات، نسبة 85% منها غير قابلة للعمل بعد السابع من اكتوبر عام 2023- والى أواخر عام 2025 . كذلك المدارس، نسبة 80% تضررت، بما فيها مدارس الأمم المتحدة التي قُصفت عام 2024 .
ايضا شبكات المياه والكهرباء، حيث يعتمد 90% من السكان الفلسطينيين على مياه غير صالحة للشرب بسبب تدمير محطات التحلية وسوء الاقتصاد الفلسطيني المحطم، بمعدل بطالة 45% (الأعلى عالميًا)، بسبب منع تصدير المنتجات وإدخال المواد الخام .
بالإضافة إلى الإبادة البطيئة عبر هندسة التجويع والتطهير الديموغرافي، والحصار ومنع ادخال الغذاء والدواء، وفق منظمة الصحة العالمية، ان اكثر من 12,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد (تموز/يوليو 2025) ووفاة المئات من الأطفال الفلسطينيين بسبب التجويع، اغلبهم من الأطفال الرضع (حتى آب/أغسطس 2025) .
أضف على ذلك سياسة التهجير القسري، حيث تخطط اسرائيل لتهجير اكثر من 800,000 مدني من غزة بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025 .
كما تقوم قوات الاحتلال بالسيطرة "عن بُعد"على قطاع غزة باعتباره نموذج الاحتلال الحديث، اي احتلال بدون وجود عسكري دائم داخل قطاع غزة بعد الانسحاب الظاهري عام 2005، او ما يسمى بإعادة انتشار جيش الاحتلال الاسرائيلي من داخل قطاع غزة إلى خارجها، ورغم ذلك تحتفظ إسرائيل بـ:
- السيطرة على المعابر والحدود.
- حق التدخل العسكري عند الرغبة .
- التحكم في السجل السكاني وحتى في توزيع الأسماء للمواليد الجدد وتحويل غزة إلى "زنزانة انفرادية او سجن كبير في الهواء الطلق، ولكنها بعد طوفان الأقصى والسابع من اكتوبر لعام 2023 تسعى اسرائيل للسيطرة على قطاع غزة بالكامل وطرد سكانه خارج فلسطين، وإعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية هناك.
اما حول التداعيات الأنسانية، هناك كارثة إنسانية ذات أبعاد مروعة" مع نزوح 90% من السكان داخليًا في قطاع غزة، ويتحمل الدور الدولي هذا الفشل الفظيع في حماية المدنيين الفلسطينيين، مع الإشارة إلى تقاعس مجلس الأمن القيام بدورة في وقف الابادة الجماعية ووقف إطلاق النار هناك، بسبب استخدام الولايات المتحدة الفيتو ضد قرارات وقف إطلاق النار .
هناك اتهامات دولية الى اسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، حيث تهدف سياسات إسرائيل إلى "محو الفلسطينيين" مع الإشارة إلى الـ تواطؤ عربي في إغلاق معبر رفح بشكل متكرر بدعوى "الأمن القومي" .
واخيراً يمكن القول إن قطاع غزة تحول إلى مختبر للقمع الاستعماري الصهيوني، بل تحول إلى نموذج صارخ للاحتلال الحديث، حيث تُستخدم اسرائيل أدوات العولمة (مثل التحكم في الحدود إليكترونيا وتحديد اسماء المسموح لهم بالسفر ) لتعميق العزل. وهذا ما يوضحه كتاب بعنوان " غزة أكبر سجن على الأرض" لإيلان بابي، وعليه ،فإن إسرائيل طبّقت في قطاع غزة استراتيجية "الجدار الحديدي" للصهيوني المتطرف جابوتنسكي، لتحطيم المقاومة الفلسطينية عبر تجويع المجتمع .
اليوم، لم يعد السؤال "هل غزة سجن؟"، بل "كيف يمكن كسر قضبان هذا السجن قبل فوات الأوان؟" وكيف يمكن وقف الابادة الجماعية هناك؟.وكيف يمكن اعادة إعمار قطاع غزة من جديد؟.
