الغرب وإسرائيل بين الشارع والسلطة

تابعنا على:   19:10 2025-08-24

راغب شاهين

أمد/ منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، بدا واضحًا أنّ هناك فجوة عميقة بين ما تعبّر عنه الشعوب الغربية في الشوارع وما تصرّ عليه الحكومات في المكاتب الرسمية. المظاهرات الحاشدة في لندن وباريس وبرلين وأمستردام وبروكسل، التي شارك فيها مئات الآلاف، لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل شهادة حيّة على انفصال الشعوب عن قرارات حكوماتها، حتى بدا الأمر وكأن هناك عالمين متوازيين: عالم الشارع وعالم السلطة.

أظهرت استطلاعات الرأي أنّ جيل الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا يتعاطف أكثر مع الفلسطينيين مقارنة بإسرائيل. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من انكشاف صور المأساة الإنسانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت غزة مرئية بشكل لم يحدث من قبل. المنصات الرقمية كسرت احتكار الرواية الذي كانت عليه وسائل الإعلام التقليدية، وجعلت المشاهد القاسية من أطفال يموتون جوعًا وتحت الركام جزءًا من الوعي اليومي للغرب. هنا لم يعد التعاطف مجرد موقف سياسي، بل صار بُعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا.

على الطرف المقابل، تصر الحكومات الغربية على سياسات داعمة لإسرائيل، سواء من خلال استمرار صفقات السلاح، أو عبر التغطية السياسية في المحافل الدولية. ألمانيا، مثلًا، واجهت انتقادات داخلية واسعة بسبب دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، لكنها بدأت، تحت ضغط الشارع والرأي العام، بفرض قيود على بعض صادرات الأسلحة. ورغم أنّ هذه الخطوة تعدّ تاريخية، فإنها تظل محدودة مقارنة بمطالب الشعب الألماني الذي خرج في تظاهرات ضخمة ترفع شعار وقف التواطؤ.

من اللافت أنّ الغرب، الذي يفاخر بمنظومته الديمقراطية، يظهر عاجزًا عن تمثيل إرادة شعوبه في هذه القضية، على سبيل المثال المظاهرات الضخمة في لندن – والتي وصفت بأنها أكبر اعتقالات جماعية في تاريخ المدينة الحديث – تكشف كيف تحوّل التعبير الشعبي إلى تهديد للأجهزة الأمنية، بدل أن يكون رافعة لتصحيح القرار السياسي، وفي بروكسل خرج أكثر من 75 ألف متظاهر يطالبون بفرض عقوبات على إسرائيل، لكن الحكومة البلجيكية اكتفت ببيانات رمادية لا ترقى إلى مستوى المطالب، المشهد هنا يفضح تناقضًا عميقًا بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية.

هذا الانفصال بين الشارع والسلطة ليس ظاهرة جديدة في الغرب، بل له جذور تاريخية تمتد لعقود، ففي حرب فيتنام، خرجت موجات عارمة من المظاهرات في الولايات المتحدة وأوروبا ضد التدخل العسكري الأمريكي، فيما استمرت الحكومات في سياساتها حتى لحظة الانسحاب المرير. ذات المشهد تكرر في حرب العراق عام 2003، حين تظاهر ملايين البشر في عواصم الغرب رفضًا للغزو، لكن إدارة بوش وحلفاءه مضوا في قرار الحرب. وحتى في أفغانستان، ظلّت المجتمعات الغربية تتساءل عن جدوى احتلال استمر عشرين عامًا، بينما كانت الحكومات تبرر بذرائع مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي.

ما يحدث اليوم مع غزة هو استمرار لهذا الإرث من الانفصال، لكنه أكثر وضوحًا وإيلامًا، لأن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد صراع جيوسياسي بعيد، بل تحوّلت إلى مأساة إنسانية تطرق أبواب الضمير العالمي كل يوم عبر الهواتف والشاشات. هذا التدفق المباشر للصور والمعاناة جعل الشعوب الغربية أكثر وعيًا بمأساة الفلسطينيين، وأكثر إصرارًا على رفض التواطؤ مع الاحتلال.

السبب الجوهري لهذا الانفصال يكمن في تباين مصادر الشرعية. الشعوب تستمد شرعيتها من قيم العدالة ورفض الظلم، أما الحكومات فما زالت تحكمها اعتبارات المصالح الاستراتيجية والتحالفات العسكرية وضغط جماعات اللوبي المؤثرة. لذلك يتكرّس هذا الانفصال أكثر فأكثر، حتى باتت المظاهرات الشعبية الغاضبة أشبه بمرآة تعكس التناقض بين قيم الغرب التي يعلنها والسياسات التي يمارسها على أرض الواقع.

وهكذا يتبدى السؤال الكبير: إلى متى يمكن أن تستمر هذه الهوة بين الشارع والسلطة؟ وهل يمكن للنظام الديمقراطي الغربي أن يبقى متماسكًا وهو يعجز عن تمثيل إرادة شعوبه في واحدة من أكثر القضايا وضوحًا أخلاقيًا في هذا العصر؟

اخر الأخبار