البعض سكت دهرًا فنطق شرًا !!
محمد ناجي الهميس
أمد/ هناك من التزموا الصمت طويلًا، صمتوا أمام القصف، صمتوا أمام الحصار، صمتوا أمام المجازر اليومية التي تُرتكب بحق شعب أعزل في غزة، صمتوا حتى تحوّل صمتهم إلى جدار بارد لا يعبّر عن أي إحساس بالإنسانية. لكن المدهش أنهم ما إن قرروا أخيرًا أن يتكلموا، لم ينطقوا بكلمة حق، بل نطقوا شرًا، وكأنهم ادخروا صوتهم ليستخدموه ضد المظلوم لا ضد الظالم.
أي مفارقة هذه؟ أن تظل أبكم أمام صور الأطفال تحت الركام، وأمام دموع الأمهات، وأمام مشاهد النزوح والدمار، ثم حين تفتح فمك أخيرًا لا تجد ما تقوله سوى كلمات تُدين المقاومة، أو تُبرر للعدوان، أو تساوي بين القاتل والضحية! أليس من الأفضل أن يظلوا صامتين؟ فالصمت – رغم قسوته – أهون من كلمة خبيثة تُضاف إلى خناجر الاحتلال.
هؤلاء لا يدركون أنهم بتصريحاتهم ومواقفهم الملتوية لا يخففون من وحشية الاحتلال، بل يمنحونه غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا، فيجد فيهم الشريك المثالي الذي يزيّن جرائمه ويُبررها. الاحتلال لا يحتاج إلى أكثر من هؤلاء "الناطقين شرًا" ليقول للعالم: "انظروا، حتى بعضكم يوافقني فيما أفعل!" وهنا تتحول الكلمة الخائنة إلى رصاصة تصيب قلب المظلوم.
إنها قمة السقوط الأخلاقي: أن تسكت عن الظلم حين كان يجب أن تتكلم، ثم تتكلم حين كان يجب أن تصمت. فبدلًا من أن تكون الكلمة نصرة للحق، تصبح طعنة في ظهره. وبدلًا من أن تكون شهادة على الجريمة، تتحول إلى تزكية للجاني.
التاريخ لا يُمحى، وسيكتب أن هناك من صمتوا دهورًا عن كل ما جرى في فلسطين، ثم نطقوا شرًا حين حانت اللحظة الحاسمة. وسيسجل أن كلماتهم لم تكن مجرد حروف، بل سهامًا مسمومة أصابت قلوب المظلومين وزادت من جراحهم.
فليعلم هؤلاء أن صمتهم الطويل كان أهون، وأن كلمة الشر التي تفوّهوا بها لن تُنسى. وسيبقى السؤال يلاحقهم: لماذا نطقتم أخيرًا، ولماذا اخترتم أن تنطقوا شرًا؟
