اتفاق غزة: سلام الهيمنة وإدارة الاحتلال
راغب شاهين
أمد/ في كل مرة تُعلن فيها واشنطن عن “فرصة جديدة للسلام”، يتجدد إدراكنا بأنّ القضية الفلسطينية ما تزال تُستَخدم كأداة في هندسة توازنات إقليمية ودولية لا علاقة لها بجوهر الصراع، وأنّ ما يُقدَّم للفلسطينيين ليس مشروعًا سياسيًا للحرية، بل وصفة مدروسة لإدارة الاحتلال بأدوات مدنية وواجهات إنسانية. اتفاق غزة الأخير، الذي رُوِّج له باعتباره بداية صفحة جديدة، لا يُشكّل تحولًا في بنية الصراع بقدر ما يعبّر عن محاولة لإعادة إنتاجه ضمن شروط أكثر قابلية للتسويق. فبنوده لا تتحدث عن سيادة فلسطينية أو انسحاب إسرائيلي أو رفعٍ للحصار، بل تعيد إنتاج هندسة السيطرة ذاتها تحت مصطلحات “الترتيبات الأمنية” و”الحوكمة المؤقتة”، أي إعادة تأهيل الاحتلال لا تفكيكه.
إنّ قبول بنيامين نتنياهو بالاتفاق، وهو ؛أكثر من مثّل التيار اليميني والدولة الصهيونية العميقة؛ تشدّدًا ورفضًا لأي تسوية حقيقية، لا يُعدّ بحدّ ذاته مؤشّرًا إيجابيًا، بل نذير خطرٍ على طبيعة الصفقة. فحين يقبل من بنى مسيرته السياسية على رفض الدولة الفلسطينية باتفاقٍ يُوصَف بأنه “سلام”، فإنّ ذلك يكشف أنّ جوهر الاتفاق لا يمسّ بالبنية الاستعمارية الإسرائيلية، بل يكرّسها عبر قنواتٍ اقتصادية وإدارية جديدة. قبول نتنياهو هنا ليس تنازلًا، بل خطوة في تثبيت هندسة أمنية تسمح لإسرائيل بالتحكم الكامل بمستقبل غزة من دون أن تتحمل مسؤولية احتلالها المباشرة. ومن ثمّ، يصبح القبول الإسرائيلي مؤشّرًا على فاعلية الخطة في إعادة إنتاج السيطرة بأدوات أكثر مرونة، وتحوّلها إلى مشروع “احتلال منخفض الكلفة” تُشرف عليه واشنطن وتباركه المؤسسات الدولية.
الخطاب الأميركي، المفعم بمفردات مثل “التنمية” و”الاستقرار” و”السلام المستدام”، يعيد إنتاج نفس المعجم الذي استُخدم سابقًا في إعادة صياغة احتلالات أخرى تحت مسمى “إعادة الإعمار” أو “الانتقال الديمقراطي”. فهذه اللغة، في السياق الفلسطيني، ليست سوى قناعٍ للهيمنة، تُسلب من خلالها إرادة الفلسطيني ويُختزل وطنه في مشروع إنساني إداري. الأخطر من ذلك أنّ هذا الخطاب يُروَّج باعتباره “نضجًا سياسيًا” مقابل “التمسك بالشعارات القديمة”، في محاولة لتفريغ فكرة المقاومة من معناها الأخلاقي والسياسي.
لقد أثبتت تجارب الشعوب التي واجهت الاستعمار بأشكاله الحديثة، من أميركا اللاتينية إلى جنوب القارة الإفريقية، أنّ الحرية لا تُمنح ولا تُدار بالوصاية، وأنّ الأمم التي قبلت بتأجيل العدالة باسم الواقعية عاشت أطول مراحل الخضوع. ومن هذا المنظور، فإنّ اتفاق غزة لا يمكن قراءته إلا ضمن إطار إعادة إنتاج “سلام الهيمنة”، حيث تتحول أدوات الحرب إلى مؤسسات مدنية، ويُحوَّل الاحتلال إلى شريكٍ في إدارة حياة ضحاياه.
قبول نتنياهو لا يعبّر عن تحوّل في الموقف الإسرائيلي بقدر ما يعكس ثقةً بأنّ الاتفاق يرسّخ اليد العليا لإسرائيل في تحديد مستقبل غزة ومجمل الصراع، فكل بند في الخطة صيغ بما يضمن الأمن الإسرائيلي أولًا، ويحوّل القطاع إلى منطقة منزوعـة السياسة، مُراقَبة اقتصاديًا، ومُفرَغة من أدوات الفعل الوطني. وبهذا يتحقق لإسرائيل ما لم تستطع فرضه عسكريًا: السيطرة الكاملة بغطاء دولي، وتحقيق الأمن دون حرب، فيما تُمنح واشنطن فرصة تسويق “إنجاز دبلوماسي” يجمّل فشلها الأخلاقي والسياسي في المنطقة.
قد يُرضي هذا الاتفاق الطرفين الأميركي والإسرائيلي، لكنه لا يُقنع من يعيش تحت الركام بأن الاحتلال صار أقل قسوة لأن البيان اختار أن يسميه “سلامًا”. ففلسطين لا تُقاس ببلاغات البيت الأبيض، بل بقدرة شعبها على الاستمرار في الوجود رغم محاولات محوه. وغزة التي واجهت الجيوش وخرجت من تحت الحصار لا تحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى اعتراف صريح بحقّها في تقرير مصيرها. وما يُكتب اليوم بالحبر الإسرائيلي وتُسوّقه واشنطن كـ”خطة سلام”، ليس سوى وثيقة إدارة لأزمة مؤجلة الانفجار، وسلامٍ من ورق لا يحمل في طيّاته سوى تجميلٍ لوجه الاحتلال.
