غزة في ميزان القرار الدولي

تابعنا على:   16:02 2025-12-23

سامي ابو لاشين

أمد/ في غزة، لا يقف المشهد عند حدود التصعيد أو التهدئة، بل عند سؤال أعمق:
من يملك القرار فعلًا؟
وإلى أي مدى ما يجري اليوم هو نتاج إرادة فلسطينية، أم نتيجة توازنات دولية تتجاوز الجغرافيا والسكان؟

منذ السابع من أكتوبر، لم تعد غزة تُدار ضمن الفضاء الفلسطيني وحده، ولم يعد قرارها محكومًا فقط بحسابات الداخل، بل أُدرجت قسرًا في معادلة دولية مفتوحة:
حسابات أمن إقليمي، مصالح قوى كبرى، ومقايضات سياسية لا تُصاغ في غزة ولا تُعلن لأهلها.

الهدنة القائمة، بكل هشاشتها وخروقاتها، ليست تعبيرًا عن استقرار، بل عن إدارة مؤقتة للأزمة.
هي صيغة دولية لاحتواء الانفجار، لا لحل جذور الصراع، ولا لمعالجة الكلفة الإنسانية المتراكمة.
ولهذا تبدو غزة اليوم معلّقة في مساحة رمادية:
لا حرب تُحسم، ولا سلام يُبنى.

الحديث عن مراحل قادمة، أو تفاهمات لاحقة، لا يمكن فصله عن هذه الحقيقة:
أن مستقبل القطاع أصبح جزءًا من ملف دولي أوسع، تُدار تفاصيله ببطء محسوب، وتُؤجل قراراته الكبرى بوعي كامل لتكلفة الحسم.

من هنا، تصبح أي مقاربة وطنية مسؤولة مطالبة أولًا بالاعتراف بالواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
الخطاب الذي يتجاهل تدويل القرار، أو يتعامل مع غزة وكأنها ما زالت تمتلك هامش الحركة ذاته، خطاب منفصل عن اللحظة، مهما حسنت نواياه.

هذا لا يعني الاستسلام، ولا تبرير العجز،
بل يعني أن الواقعية السياسية اليوم تفرض إعادة تعريف أدوات الفعل، ولغة المطالب، وسقف التوقعات.
فالسياسة، في جوهرها، ليست تمنيات، بل قراءة موازين قوى، وتقديم مقترحات قابلة للحياة في ظلها.

غزة، المنهكة والمثقلة، لا تحتمل مزيدًا من الإنكار.
وما تحتاجه في هذه المرحلة ليس خطابًا انفعاليًا، بل رؤية وطنية عاقلة، تفهم موقعها في الخارطة الدولية، وتبحث عن مسارات تقلل الخسائر، وتحفظ ما تبقى من المجتمع، وتبقي الباب مفتوحًا أمام أفق سياسي ممكن، لا متخيَّل.

المرحلة قاسية، والخيارات محدودة،
لكن أخطر ما يمكن فعله الآن هو الاستمرار في طرح حلول تتجاهل من يملك مفاتيح القرار، وتخاطب واقعًا لم يعد قائمًا.

اخر الأخبار