في ليلة رأس السنة: غزة تستغيث وتوجه نداء إلى ضمير العالم..فهل من مغيث..؟!
(غزة تغيّب شمس 2026 قبل أن تشرق..!)
محمد المحسن
أمد/ -"لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر /فالجوع ابو الكفار /مولاي!! /انا في صف الجوع الكافر/ما دامت-غزة -تسجد من ثقل الاوزار /و اعيذك ان تغضب مني /انت المطوي عليك جناحي في الاسحار.."(مظفر النواب-بتصرف طفيف-)
في الوقت الذي تنتشر فيه الأضواء والألعاب النارية في سماء مدن العالم احتفاءً ببدء عام جديد،تغرق سماء غزة في ظلام دامس، لا يقطعه إلا وهج القنص والصواريخ ودوي الانفجارات. بينما تتراقص الأجساد على أنغام الموسيقى في ساحات الاحتفال، تهتز أراضي القطاع تحت وطأة الدمار الذي يحصد الأرواح والبيوت والذكريات.
هذه المفارقة المأساوية تطرح سؤالاً جوهرياً أمام ضمير الإنسانية: كيف يمكن للعالم أن يحتفل بينما جزء منه ينزف منذ أشهر دون رحمة؟!
غزة،هذه البقعة الصغيرة التي تحمل تاريخاً عريقاً وقلباً نابضاً بالحياة،ترفع اليوم صوتاً مبحوحاً يستغيث: "أغيثوني يا أحرار العالم".
المأساة في غزة ليست مجرد أرقام تتجدد في نشرات الأخبار،بل هي قصص إنسانية مفجعة: طفل يفقد عائلته بأكملها تحت الركام،أم تبحث عن بقايا أطفالها بين الحطام،عائلة تفقد مأواها وجميع ممتلكاتها في لحظة منفلتة من عقال الزمن،طلاب يحلمون بمستقبل يغيب الآن تحت دوي الانفجارات.
نداء غزة ليس نداءً سياسياً بقدر ما هو نداء إنساني يخاطب الضمير العالمي.إنه استغاثة تذكرنا بأن قيم الإنسانية والعدالة والرحمة لا يمكن أن تكون انتقائية،ولا يمكن الاحتفاء بها في مكان ونكرانها في مكان آخر.
في ليلة رأس السنة،حيث تنظر البشرية للأمام بأمل وتفاؤل،تذكرنا غزة بأن هناك أناساً محرومين حتى من أبسط حقوقهم الإنسانية: الأمان،المأوى، الغذاء،والدواء.تذكرنا بأن التقدم الحقيقي للإنسانية يُقاس بمدى رعايتها لأضعف أفرادها.
فهل يسمع العالم هذا النداء؟ هل سيكون العام الجديد نقطة تحول في تعامل المجتمع الدولي مع هذه المأساة المستمرة؟
لكن..الوقت لا يزال يحمل فرصة لكتابة قصة مختلفة، قصة تنتصر فيها الإنسانية على اللامبالاة،والحياة على الموت.
من أي موقع ،إذن،أتكلّم ويكون لكلامي معنى أو ثقل؟
أحسّ كأنّ حاجبات الوميض تنتصب من جديد،وقوى التغيير تُحبس داخل قمقم السلطة وتحايلاتها التي لا تبغي سوى الإستمرار مهما كانت التنازلات..ودفقات الدّم الفلسطيني،عبر الفضائيات،تذكّرني أكثر فأكثر،بهذا العجز الخانق.تذكرني بالحصار المظلم والظالم المضروب على غزة،فيما القذائف والصواريخ تواصل هجماتها،وليس هناك فعل عربي يساند بالملموس شعب محاصر بالدياجير..
الآن..وهنا تصرخ -غزة- منبهة السائرين نياما:لعبة التخبئة لم تعد تجدي مع إسرائيل.عقد وبضع سنين من التسويفات والمفاوضات والإنتظار،وشعب فلسطين يتنزّى في قيوده،ونحن نتابع من بعيد،صامتين أو معلقين على تصريحات المتفاوضين.ولعلّنا عوّدنا النّفس على تلك المسرحية-اللعبة التي تهدئ العالم كلّه،إذ تٌوهمنا بأنّ السلام آت ولو دامت المفاوضات خمسين سنة أخرى !
ما تشهده غزة هنا..والآن،من خراب ،دمع ،ظلام ودماء أيقظ الجميع من غفوته المريحة لأنّه ذكّرنا بالبديهيات:إسرائيل في حقيقتها العارية دولة محتلّة لها مُمارسة المستعمِر،وترفض الإعتراف بحرية ووجود من سُلِبت أرضهم.. سقطت الأقنعة،وتوارت رموز الديمقراطية والإشتراكية والعلمانية التي تدثّر بها مؤسسو الصهيونية والمصفقون لها في الغرب.
قلت كل هذا،لأوكّد على أنّ استراتيجية عربية مقاومة أصبحت اليوم أكثر الحاحا من أيّ وقت مضى في ظل مواجهة بات العدوّ فيها يترنّح قبل سقوطه النهائي في خندق الهزيمة ،ولأنّه يدرك مصيره المحتوم فهو يحاول يائسا خلق وقائع جديدة من خلال توسيع عدوانه داخل فلسطين وخارجها تبقي له حدود الصراع مفتوحة على كل الإحتمالات،وبخاصة احتمال تكريس التشرذم والإنقسام داخل الجسد العربي وإذكاء الصراعات العربية-العربية.وعليه فإنّ قوّة المقاومة بمختلف تجلياتها الخلاّقة تتمثّل في استمرارها أوّلا،وفي مداها العربي ثم العالمي،ذلك أنّ المجال الحيوي وعناصر الإمداد لمقاومة جاسرة،بعد أن ازداد الحصار وتزايد ثقل المواجهة والعبء،وفي لحظة أصبح الدّم فيها يحدّد منسوب كل شيء !لا بد أن يُستمد أوّلا من المحيط العربي ثم من التأييد العالمي،وهذا يقتضي منا توفير عناصر الدّعم من المحيط بالدرجة الأولى..
وحتى يتحقق ذلك،نتطلّع من هنا إلى قوافل الشهداء تسير خببا في اتجاه المدافن..إلى شعب يحاصره الليل بعد أن غدر به الزمان،وإلى أبطال المقاومة الفلسطينية،وهم في مواجهة الطائرات والدروع،يدافعون بالأصالة عن نفسهم،وبالنيابة عن الأمة العربية كلّها..ونسأل:إلى متى؟
ختاما هي ذي غزة تصرخ بصوت مشنوق : "أغيثوني يا أحرار العالم".. هذا النداء لا يخص شعب غزة وحده،بل يخص كل من يؤمن بكرامة الإنسان وبأن السلام والعدالة ليست امتيازاً للبعض،بل حقاً للجميع.
فهل من مغيث..؟!
ويظلّ السؤال عاريا،حافيا..ينخر شفيف الرّوح..!
