على هامش عملية-اختطاف-الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
محمد المحسن
أمد/ مستقبل النظام العالمي على المحك: اختطاف مادورو وتهديد أسس الشرعية الدولية..!
فجر الثالث من جانفي/ يناير 2026،لم يكن مجرد يوم آخر في النزاع السياسي المزمن بين واشنطن وكاراكاس.فمع إعلان الولايات المتحدة شن ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمتهما،انتقل العالم إلى حقبة جديدة من العلاقات الدولية حيث أصبحت القوة الخشنة والعمل الأحادي أداة معلنة للقضاء على الخصوم السياسيين خارج كل الأطر القانونية.هذه الحادثة ليست مجرد فصل في نزاع ثنائي،بل هي ناقوس خطر يدقّ لجوهر النظام العالمي القائم على القواعد،حيث تحولت سيادة الدول-خاصة الضعيفة منها-إلى مجرد حبر على وثيقة تاريخية.فالمستقبل الذي ينذر بفوضى عارمة تتنافس فيها القوى على خطف زعماء بعضها البعض لم يعد احتمالا نظريا،بل أصبح واقعاً ملموساً يضع المجتمع الدولي أمام اختبار مصيري: التمسك بالميثاق والحلول السلمية،أو السكوت الضمني عن سابقة ستؤدي حتما في المدى المنظور إلى انهيار الشرعية الدولية.!
- كيف تشقّق حجر الزاوية في النظام الدولي..؟!
يشكل ما جرى-في تقديري-انتهاكا متزامنا ومتعمدا لعدة مبادئ تشكل حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث،مما يمنح هذه الحادثة طابع السابقة الخطيرة التي يمكن أن تتكرر.
وهنا أشير إلى أن مبدأ سيادة الدول والمساواة بينها يُعتبر الركيزة الأساسية لميثاق الأمم المتحدة.فالدخول العسكري إلى أراضي دولة ذات سيادة واعتقال رئيسها دون إذن حكومتها يمثل اعتداء صارخا على السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي،وهو ما تحظره المادة الثانية من الميثاق بشكل قاطع.
يشار إلى أن رؤساء الدول يتمتعون،أثناء ولايتهم، بحصانة مطلقة من الولاية القضائية الأجنبية بموجب القانون الدولي العرفي،كما أكدت محكمة العدل الدولية في قضية "مذكرة
الاعتقال" (الكونغو ضد بلجيكا،2002).
إن نقل رئيس دولة قسرا لمحاكمة في دولة أخرى وهو لا يزال في منصبه يشكل انتهاكا جوهريا لهذه الحصانة السيادية.
في هذا السياق،يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالتين: الدفاع عن النفس (المادة 51) أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.ولم تصدر أي من هاتين الحالتين عن فنزويلا،ولم يصدر عنها أي هجوم مسلح تجاه الولايات المتحدة،كما لم يحصل أي تفويض أممي.حتى التبريرات المقدمة مثل "مكافحة المخدرات" لا تُعد سندا قانونيا لاستخدام القوة حسب فقه القانون الدولي.
وهنا أشير ثانية : لم يكن مادورو مطلوبا أمام المحكمة الجنائية الدولية،ولم تصدر بحقه أي مذكرة توقيف دولية.وهذا يعني أن العملية تمت خارج أي إطار للتعاون القضائي الدولي أو إجراءات تسليم قضائية معترف بها،وفرضت بإرادة أحادية خلقت أمرا واقعا..!
- انهيار الجبهة الدولية الموحدة:
كشفت ردود الفعل الدولية على هذه الحادثة عن شرخ عميق وتراجعا مثيرا للقلق عن الدفاع عن المبادئ التي يُفترض أنها عالمية.إذ وصفت دول مثل روسيا والصين وإيران وجنوب أفريقيا العملية بأنها "عدوان مسلح" وحذرت من تقويض النظام الدولي برمته.كما أدانها الأمين العام للأمم المتحدة،وإن جاء تصريحه وصفه بعض المراقبين بـ"الخجول".هذا،وجاءت ردود معظم دول الاتحاد الأوروبي "مرتبكة" و"تعبر عن خشية مفرطة" من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.فالبعض،مثل بريطانيا،شدد على احترام القانون الدولي وفي الوقت نفسه أدان مادورو،في محاولة لتبرير موقف لا يتوافق مع القيم التي تتبناها رسميا.وقد علقت صحيفة الغارديان البريطانية على هذا الصمت قائلة إن العملية "أظهرت عدم وجود قواعد دولية أصلاً"،بينما أدانت كولومبيا وكوبا والمكسيك والبرازيل الهجوم ورفضت "أي استخدام أحادي للقوة"،في ذات الآن رحبت به دول مثل الأرجنتين وباراغواي باعتباره خطوة نحو "استعادة الديمقراطية".!
وإذا وضعنا هذه الحادثة في سياقها التاريخي والاستراتيجي يكشف أن دوافعها أعمق بكثير من مكافحة المخدرات،فالعملية ليست بمعزل عن تاريخ طويل للتدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية.هناك تشابه صارخ مع غزو بنما عام 1989 واعتقال رئيسها مانويل نورييغا،حيث استخدمت نفس التهم (المخدرات) ونفس الأسلوب (العدوان العسكري المباشر).كما أن تاريخ الولايات المتحدة حافل بدعم انقلابات عسكرية في المنطقة،أبرزها الانقلاب ضد الرئيس سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973.
-الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية المعلنة:
صرح الرئيس الأمريكي صراحة أن الولايات المتحدة "ستدير فنزويلا" و "ستسيطر على صناعة النفط فيها".كما هدد نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز بدفع "ثمن أكبر" إذا لم تتعاون..!
هذه التصريحات النارية،إلى جانب التهديدات المتزامنة لدول أخرى مثل كولومبيا وكوبا وحتى الدنمارك بشأن جزيرة غرينلاند،تشير بوضوح إلى نهج توسعي يعيد رسم مناطق النفوذ،وهو ما وصفه بعض المحللين بأنه طريق نحو "سايكس-بيكو جديدة".!
وعلى عكس التوقعات،أظهر المشهد الداخلي في فنزويلا بعد الاختطاف تماسكا مؤسسيا مفاجئا.
فقد قامت المحكمة العليا في فنزويلا فورا بتكليف نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز برئاسة الدولة مؤقتا.كما أعلن الجيش ولاءه للحكومة الدستورية.وخرجت مظاهرات حاشدة في شوارع كاراكاس لتأييد مادورو ورفض التدخل.
هذا،وتراهن الحكومة المؤقتة على استمرارية مؤسسات الدولة،وعلى قدرة الاقتصاد-الذي كان قد بدأ في التعافي-على الصمود رغم العقوبات.
على سبيل الخاتمة:
- النظام العالمي في مفترق طرق تاريخي :
حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي ليست مجرد اعتداء على دولة واحدة،بل هي اعتداء على النظام الدولي بأسسه التي تأسس عليها بعد حربين عالميتين مدمرتين.والسكوت الدولي،أو القبول الضمني تحت أي ذريعة،هو تكريس لسابقة مروعة تفتح الباب أمام عودة قانون الغاب،حيث تُحلّ حسابات القوة محلّ القانون،وتصبح سيادة الدول الصغيرة رهينة لإرادة الكبار.
وهنا أختم : لقد وضعت هذه الحادثة المجتمع الدولي أمام محك حقيقي،يكمن في قدرته على تجاوز ازدواجية المعايير والمصالح الضيقة، والالتفاف حول مبادئ المساواة في السيادة وحظر استخدام القوة و تسوية النزاعات بالطرق السلمية،وهي المبادئ التي كُتب ميثاق الأمم المتحدة من أجل حمايتها.
ومستقبل التعاون الدولي والسلام العالمي معلق اليوم على هذه القدرة..فبعد ثمانية عقود من وضع الميثاق،وفي ظل عالم تتعمق فيه الانقسامات وتتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود،يبقى السؤال الملح: هل لا يزال ميثاق الأمم المتحدة، بآلياته الحالية والمحاولات الترقيعية لتجديده، قادرا على أن يكون الإطار الفعّال للشرعية الدولية،أم أن انتهاكاته المستمرة من قبل القوى الكبرى قد حولته إلى مجرد ذاكرة مثالية في لحظة تأسيسية غابرة..؟!
ويظل السؤال عاريا،حافيا..ينخر صرح القانون الدولي،وأسس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..في عالم تداس فيه كل القوانين الدولية بأحذية من يملكون القوة..!
