نهاية وبداية عصرين

تابعنا على:   13:11 2026-01-11

عمر حلمي الغول

أمد/ منذ زمن لا بأس به، وأنا أؤكد ان العالم يعيش ارهاصات عالم جديد، لا سيما وأن شعوب وأمم ودول العالم تعيش حالة سيولة وانصهار وخلط للقوى والتحالفات، وإعادة تكوين للمنظومة العالمية، ارتباطا بموازين القوى الجديدة، بهدف فرض وقائع متحولة لتقاسم النفوذ لكعكة العالم بمحدداته وثقل القوى المركزية المقررة والمهيمنة في الجيوسياسية العالمية في المستقبل المنظور في العقد القادم على أبعد تقدير.
وهذه المرحلة من تطور البشرية، تشبه الى حد بعيد المراحل الانتقالية بين عصرين ومنظومتين عالميتين سابقتين، باختلاف شرطي الزمان والمكان وتطور قوى وعلاقات الإنتاج، وحمولاتها الكونية في موازين القوى بين الأقطاب الدولية المتصارعة على تقاسم النفوذ في العصر القادم. ولا يمكن لمجمل التحولات العاصفة ان تحط رحالها على شاطئ العصر الاتي عبر الطرق السلمية. لأن القوة المهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي والثقافي الدولي لا يمكن لها التنازل مجانا أو بسهولة عن مكانتها للقوى المنافسة والطامحة لتبوأ مكانتها، أو تنازعها على مواقع نفوذها. بالتالي فإنها ستدافع عن مكانتها التاريخية بكل ما تملك من إمكانيات سياسية واقتصادية وعسكرية.
وعادة الامبراطوريات التاريخية في مراحل تراجعها وانكفائها، تلجأ لسياسة الترهيب والشيطنة للقوى الأخرى، وإطلاق المواقف الاستعلائية والمتغطرسة، وانتهاج سياسة التغول على الكون ككل، الدول المركزية ودول المحوطة في العالم الثالث على حد سواء، لضرب الدول ببعضها البعض، وحصد ثمار مخرجات ذلك، وبهدف لجم وضبط إيقاع القوى المنافسة، الباحثة والطامحة لتكريس دورها ومكانتها الدولية في معادلات المنظومة الافتراضية، وفقا لتقديراتها في معادلة موازين القوى المنبثقة عن التراكم الكمي طيلة العقود الماضية من العصر الآيل للغروب، واعتقادها بضرورة إعادة نظر في تقاسم النفوذ، عطفا على موازين القوى الجديدة.
وفي قراءة موضوعية لحالة عالم اليوم المتلاطم الأمواج، نتلمس بشكل جلي ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة "نيويورك تايمز"، ونشر على صفحاتها أول أمس الخميس 9 كانون ثاني / يناير الحالي، بأن سلطته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لا يقيدها سوى "أخلاقه الشخصية"، وإنه ليس بحاجة الى القانون الدولي وغيره من القيود، التي قد تحد من قدرته على استخدام القوة العسكرية. وجاء رده على سؤال، عما إذا كان هناك ما قد يقيد سلطاته على الصعيد العالمي، قال ترمب: "نعم، هناك أمر واحد، أخلاقي الشخصية. عقلي الخاص.. هذا هو الشيء الوحيد القادر على إيقافي"، مضيفا "لست بحاجة الى القانون الدولي.. أنا لا اسعى لإيذاء الناس." وما هو إيذاء الناس أكثر من ذلك؟
هذا بالضبط نموذج ساطع على تحلل المنظومة العالمية القائمة والمتجهة بخطى حثيثة نحو التفكك والانهيار، وصعود عصر جديد. وهنا تطرح العديد من الأسئلة: متى كانت أخلاق زعيم من الزعماء تقرر مصير البشرية؟ وماذا ينقص الزعماء الاخرين ليقرروا ما يشاؤوا من المواقف؟ ولماذا أشادت دول العالم مجمل القوانين والمعاهدات والاتفاقات الدولية؟ واين دور قرارات الشرعية الدولية من مواقف هذا الزعيم أو ذاك؟ ألا يعني ذلك تلاشي واضمحلال المنظومة العالمية، وترك الحبل على الغارب لسطوة قوانين الغاب والبلطجة على دول العالم الأخرى كبيرها وصغيرها؟ ومن الذي يفترض فيه كبح جماح هذا الفلتان، وتلك الفوضى العبثية؟ وأليس ذلك اشهار لإشعال شرارة الحرب الكونية العالمية الثالثة الكلاسيكية، التي لن تبقي ولا تذر، في حال اشتعلت نيرانها بالأسلحة النووية والهيدروجينية والكيميائية والصواريخ حاملة الرؤوس النووية وفرط الصوتية والسيبرانية الأكثر حداثة وفتكا بالبشرية؟
وبحسب الصحيفة الأميركية في قراءة تصريحه وتقييمه للعالم، أنه هو من يحدد متى تنطبق تلك القيود على الولايات المتحدة، وقال "الأمر يعتمد على تعريفك للقانون الدولي." وهل للقانون الدولي أكثر من تعريف؟ أليس القانون الدولي وقرارات الشرعية والمعاهدات الدولية، هي الناظم العام لسلوك سياسات الدول للمحافظة على السلم العالمي، أم أن الأمر متروكا ومباحا لكل زعيم ليحدد رؤيته وتقديره الخاص للقانون الدولي؟ إذاً لماذا وضع القانون؟ وما هو دوره في تنظيم العلاقات الدولية؟ ولماذا هناك فصول عديدة في لوائح هيئة الأمم المتحدة؟ أليس هناك فصل سادس وسابع، ولها ضوابط ومحددات لاستخدامها، أم انها لم تعد في زمن ترمب ذات قيمة وشأن؟
ووفقا ل "نيويورك تايمز"، يعتقد الرئيس ال 47 أن القانون الدولي يرتبط بمدى حريته في استخدام أي أداة من أدوات القوة العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية لترسيخ الهيمنة الأميركية أكثر. وهو اعتراف صراحة بكيفية رؤيته للعالم، وفي الجوهر تقوم الرؤية على فكرة جلية مفادها أن "قوة الدولة، وليس القوانين أو المعاهدات أو الأعراف الدولية، هي العامل الحاسم عندما تتصادم القوى."
ما تقدم، يؤكد حقيقة عميقة الدلالة، أن الإدارة الأميركية لم تعد معنية بأي التزام بالقوانين والمعاهدات الدولية، وأن معاييرها الخاصة كدولة، أو بالأحرى معاييره هو كشخص هي كفة الميزان المرجحة في التعامل مع القوانين والدول كافة، وأسقط كليا أي دور لها، مما يعني أن العالم دخل ومنذ زمن مرحلة تآكل وتهتك العصر القائم، وبات على أبواب عصر جديد، ثمنه اغتصاب العالم، أو دخول اتون الحرب العالمية الثالثة، والخيار الأخير هو الأكثر ترجيحا.

 

اخر الأخبار