حين تتكلم السياسة بصوت الإنسان

تابعنا على:   13:44 2026-01-16

سامي ابو لاشين

أمد/ لم يكن اللقاء مع سمير المشهراوي حديثًا سياسيًا عابرًا، ولا استعراض مواقف في زمن امتلأت فيه الشاشات بالكلمات الفارغة.
كان أقرب إلى جلسة مصارحة وطنية، خرجت من صدر رجل يدرك أن غزة لا تحتاج مزيدًا من الخطب، بل من يفهم وجعها قبل أن يدير ملفها.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة لم يكن بندًا سياسيًا تقنيًا، بل ضرورة إنسانية ووطنية.
غزة، بعد الإبادة، لا تنتظر توصيفات جديدة ولا لجانًا باردة، بل تنتظر بشرة أمل تعيد للناس إحساسهم بأن الحياة لم تُغلق أبوابها نهائيًا.
هنا، لم تُطرح المرحلة الثانية كإنجاز تفاوضي، بل كمسؤولية أخلاقية.
الأهالي، الذين خرجوا من بيوتهم إلى الخيام والركام، لا يسألون عن الصياغات، بل عن الماء، عن الأمان، عن مستقبل لا يبدأ بالخوف وينتهي بالتهجير.
في حديثه عن إدارة غزة، بدا المشهراوي حريصًا على معادلة دقيقة:
لا فراغ في الحكم، ولا قفز عن المرجعية الوطنية.
انتقد بوضوح خطة ترامب، لا بدافع الرفض الأيديولوجي، بل لأن أخطر ما فيها هو غموض المرجعية، وتحويل غزة إلى مساحة تجريب سياسي على حساب شعب منكوب.
ورغم الخلافات المعروفة مع السلطة الفلسطينية، قالها بوضوح يحسب له:
نحن مع أن تكون السلطة مرجعية اللجنة الوطنية التي ستدير غزة.
ليس لأن الخلاف انتهى، بل لأن الوطن لا يُدار بالخصومة، ولأن البديل عن المرجعية ليس الحرية بل الفوضى.
في كل هذا، كان الدور المصري حاضرًا لا كديكور سياسي، بل كعامل حماية.
تثمين المشهراوي لموقف مصر، وللرئيس عبد الفتاح السيسي تحديدًا، جاء من إدراك واضح أن وقف التهجير لم يكن موقفًا لفظيًا، بل خط دفاع حقيقي عن بقاء الفلسطيني في أرضه.
وحين قيل إن وحدة حركة فتح تمثل أمنًا قوميًّا مصريًّا، لم يكن ذلك مبالغة، بل قراءة لتوازنات المنطقة وخطورة لحظة الانقسام.
لكن أكثر ما شدّ الانتباه في اللقاء لم يكن الموقف السياسي، بل نبرة الصوت عندما وصل الحديث إلى حركة فتح.
هنا، لم يتكلم نائب رئيس تيار، بل فتحاوي موجوع.
في صوته حزن على حركة لا تشبه نفسها اليوم، لكن في نبرته ذاتها عزة ورفض للانكسار، وكبرياء لا يقبل أن تتحول فتح إلى ذكرى أو عبء على شعبها.
قالها بوضوح لا يحتمل التأويل:
الأيادي ما زالت ممدودة لوحدة فتح،
لكنها لن تبقى مشرعة في الهواء طويلًا.
ليس تهديدًا، بل تحذير من الزمن، ومن التاريخ، ومن لحظة قد لا تُعطى فيها فرص جديدة.
وفي كل محاور اللقاء، ظل خيط واحد حاضرًا بلا ضجيج:
الخوف من التهجير إذا مات الأمل.
التهجير هنا لا يُقرأ فقط كمخطط خارجي، بل كحالة داخلية تنمو حين يشعر المواطن أن لا أحد يراه ولا يسمعه.
لهذا شدد المشهراوي على ضرورة أن يطمئن الفلسطيني الفلسطيني،
وعلى أن أي هيئة لإدارة غزة لن تنجح دون مظلة وطنية حقيقية، ودون تغيير عميق في منهج التفكير،
يعيد للناس شعورهم بأنهم شركاء في القرار، لا عبئًا عليه.
هذا اللقاء لم يكن إجابة عن كل الأسئلة، لكنه كان تذكيرًا بما يجب أن يكون.
في زمن يتكلم فيه كثيرون باسم السياسة، قليلون من يتكلمون باسم الإنسان.
وربما هنا تكمن قوة هذا الحديث تحديدًا:
أن السياسة، حين تتجرد من الإنسان، تصبح إدارة للخراب،
وحين تستعيد صوت الناس، يمكن لها – ولو بصعوبة – أن تفتح نافذة أمل.

اخر الأخبار