دبلوماسية الصرامي

تابعنا على:   16:20 2026-01-22

حسن النويهي

أمد/ نرحب بكم في عصر جديد من العلاقات الدولية عصر لم تعد فيه الكلمات مهمة ولا المواثيق ولا الصور الجماعية المبتسمة نرحب بكم في زمن الصرماية

. الضيف الرسمي الذي يسبق الوزراء إلى الطاولة ويجلس حيث كان يُفترض أن يجلس القانون لسنا في زمن الدبلوماسية ولا حتى في زمن الابتزاز الناعم نحن في زمن تُوضَع فيه الصرماية على الطاولة ومن يعترض يُسأل عن مقاسها لا عن رأيه ..

الصرماية لمن لا يعرفها كلمة تركية الأصل دخلت لغتنا أيام السلطنة حين كان الحكم يُدار من فوق والشعوب تُدار من تحت ليست حذاء أنيقاً ولا تفصيل لغوي بل أداة إدارة قاسية عملية مخصّصة للمشي الطويل فوق التراب وفوق الرقاب وجمعها صرامي لأن صرماية واحدة لا تكفي لإدارة إمبراطورية تحتاج خزانة كاملة مقاسات مختلفة وجلديات متعددة لكل ولاية ولكل تمرّد ولكل موسم سياسي..

 ومع خروج العثمانيين لم تخرج الصرماية من السياسة تبدلت القدم وتغيّر الزي وبقي المنهج اليوم الصرماية لم تعد تركية الهوية بل أمريكية المقاس دولية الوظيفة... في دبلوماسية الصرماية لا يُسأل الطرف الآخر عمّا يريد بل عمّا يحتمل لا تُناقَش المبادئ بل نوع الجلد ولا يُقاس النفوذ بعدد السفارات بل بمدى الاستعداد للانحناء قبل أن تُلبس الصرماية فعلًا الدول في هذا النظام ليست دولًا هي أحذية وقيمتها تُقاس بنوع الجلد لا بكرامة القدم دول جلدها طري تُلبس يوميًا دول جلدها قاسٍ تُستخدم عند الحاجة ودول بلا جلد أصلًا تُرمى بعد الاستعمال ..

ترامب لم يخترع الصرماية لكنه فعل ما لم يجرؤ عليه غيره رفعها على الطاولة علنًا لا قانون دولي لا حياء سياسي لا لغة مزدوجة غرينلاند لم تُحتل لم تُطلق رصاصة واحدة لكنها حُسمت بالرعب انسحب من انسحب ليس لأن الخطر وقع بل لأن الخطر أُعلن ترامب لا يحتاج حربًا يحتاج إشارة والباقي تقوم به الحسابات الباردة للدول الصغيرة لسنا أمام صرماية واحدة نحن أمام سلطة صرامي ترامب هو القدم ثقيلة واضحة لا تعتذر أوروبا الحذاء الاحتياطي تُستَخدم عند الحاجة ثم تُعاد إلى الخزانة مع بيان قلق الناتو الرباط يشدّ حين يُطلب منه ويرتخي حين يُسمح له بالحلم السويد حذاء خفيف قرأ المقاس مبكرًا وانسحب قبل أن يُدعس لا بطولة بل فهم صحيح للمرحلة وما أكثر موظفي الصرامي من يشرح لك أن الحذاء ليس حذاء وأن الدوس ليس دوسًا وأن الأثر على الوجه مجرد سوء فهم استراتيجي أما الحذاء المسروق فهو ذاك الذي تسرقه دولة من دولة وتلبسه على عجل لتثبت ولاءها حتى لو كان المقاس أصغر من كرامتها وأكبر من قدرتها على المشي في هذا العالم لا يُسأل من صاحب القرار بل من يملك الصرماية ومن يقبل أن يكون الأرض وهنا نصل إلى الامتحان الحقيقي حين لا تكون الصرماية مجرد تهديد بل تُستَخدم حين لا يكون الرعب أداة تفاوض بل سياسة دائمة وهنا يبدأ الفصل الأخير حيث تُداس الأوطان فعلًا ويُطلب من الضحايا أن يشكروا القدم لأنها لم تضغط أكثر وهنا سنكمل غدًا وكل يوم فالعصر عصر صرامي منها الحديثة ومنها العتيقة وما أكثرها

 

اخر الأخبار