سخنين محطة هامة للنهوض
عمر حلمي الغول
أمد/ في اعقاب تفشي واستفحال ظاهرة الجريمة المنظمة والعنف، وفرض الخوات والبلطجة من قبل عصابات الاجرام المرتبطة بأجهزة الامن الإسرائيلية بما فيها الشرطة بشكل مباشر أو غير مباشر، التي يقف على رأسها ما يسمى وزير الامن ايتمار بن غفير، حيث بلغ عدد ضحاياها من أوساط أبناء الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة من عُمرْ 16 الى 30 عاما نحو 250 ضحية خلال العام الماضي (2025)، في ارتفاع منسوب الجريمة بشكل قياسي غير مسبوق عن الأعوام السابقة. ولم يكن انتشار وتفاقم الجريمة بمحض الصدفة، انما لعدة أسباب، منها: أولا عملية التهميش لأبناء الشعب في مجالات العمل، بسبب سياسة التمييز العنصري؛ ثانيا زيادة الافقار للجماهير الفلسطينية العربية بأساليب شتى؛ ثالثا غياب دور مراكز الشرطة في البلدات العربية، وتقاعس الشرطة عن القيام بمهامها في ملاحقة المنفذين؛ رابعا انتشار السلاح في المدن والقرى العربية، نتاج تسهيل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية لانتشاره بطرق عدة.
ومع ان نسبة المواطنين الفلسطينيين العرب في إسرائيل نحو 21% من مجموع السكان، الا ان نسبة جرائم القتل الناتجة عن تفشي العنف والفلتان والاتاوات بلغ نحو 70% من مجمل الجرائم في دولة الابرتهايد - الفصل العنصري الإسرائيلية، مما يؤكد أن وراء انتشار الجريمة والعنف سياسة حكومية إسرائيلية ممنهجة، ومدروسة ومعدة سلفا، لتحقيق أهداف الدولة في تضييق الخناق على الفلسطينيين، ودفعهم للهجرة "الطوعية"، وتوسيع عملية التطهير العرقي ضدهم، عبر الربط بين سياسة الافقار، والحرمان من العمل، وانخفاض الأجور قياسا بأقرانهم من الإسرائيليين الصهاينة، والحرمان من السكن، ورفض السلطات الإسرائيلية إعادة النظر في الخرائط الهيكلية في المجالس القطرية العربية، وتقليص وجود مراكز الشرطة الى الحد الأدنى في المدن والقرى العربية، مع زيادة انتشار السلاح غير الشرعي، إما مباشرة من الأجهزة الأمنية، أو من خلال تسهيل الوصول اليه من معسكرات ومخازن الجيش الإسرائيلي غير المحمية.
هذا الوضع المأساوي ضاعف من منسوب السخط والغليان والغضب في أوساط الجماهير الفلسطينية، بالتلازم مع الرفض للإبادة الجماعية في قطاع غزة المستمرة للعام الثالث حتى الان، وتعاظم جرائم الحرب في القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين المحتلة وعموم محافظات الضفة الغربية، وتبديد ركائز عملية السلام، وتغول النازية الإسرائيلية على الكل الفلسطيني، مما دفع العديد من المجالس القطرية المحلية في البلدات والقرى الفلسطينية لإعلان الإضرابات المتفرقة في الآونة الأخيرة، وصولا الى اعلان صاحب المحال التجارية علي زبيدات من مدينة سخنين لإعلان الاضراب واغلاق محاله، مما دفع بلدية المدينة برئاسة مازن غنايم الى توسيع الاضراب ليشمل كل المدينة، ودعوة الجماهير العربية في مختلف المدن والبلدات في مناطق ال 48، وعلى إثر ذلك، اجتمعت لجنة المتابعة العربية العليا والمجالس القطرية للسلطات المحلية للاجتماع يوم الأربعاء 21 كانون ثاني / يناير الحالي وتبني قرار بلدية سخنين للإضراب الشامل والدعوة للمظاهرة أول أمس الخميس 22 يناير الحالي في سخنين، التي شارك فيها عشرات الالاف من الجماهير من الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، احتجاجا على تفشي العنف والجريمة، ورفضا وتنديدا بسياسة الحكومة الإسرائيلية، المتواطئة مع العصابات الاجرامية، وتقاعسها عن مكافحتها.
وانطلقت المسيرة من أمام النصب التذكاري للشهداء في سخنين، رفع خلالها المتظاهرون الاعلام السوداء، ولافتات كتب عليها شعارات منددة بالعنف والجريمة، ورفضا لسياسة تواطؤ الشرطة الإسرائيلية لعدم مواجهتها، ورددوا هتافات دعت للتصدي لجرائم القتل وفرض الخاوات في البلدات الفلسطينية، وجابت المسيرة الشارع الرئيس في المدينة وصولا الى مفرق الجميمية بالقرب من مركز الشرطة، في رسالة بالغة الدلالة موجهة لها وللحكومة الإسرائيلية العنصرية عموما، وطالبت بحماية الجماهير العربية. وشاركت فيها لجنة المتابعة العربية العليا واللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية، مما ضاعف من حجم المشاركة الشعبية ووسيع نطاق الحراك الشعبي السلمي، لقطع الطريق على حكومة الإرهاب المنظم ووزيرها الإرهابي بن غفير.
ومن أهم وأبرز النتائج الإيجابية للإضراب الشامل والمظاهرة في سخنين، ان الجماهير المتظاهرة وفي مقدمتهم علي زبيدات، الذين هتفوا في وجه قادة الأحزاب والكتل البرلمانية العربية في الكنيست بصوت واحد "وقعوا.. وقعوا.. وقعوا" على وثيقة بتشكيل القائمة العربية المشتركة، وهو ما حصل فعلا في اعقاب المظاهرة، عندما اجتمعوا في مقر البلدية ووقعوا على الوثيقة التي حملها زبيدات، ووقع عليها كل من: ايمن عودة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، واحمد الطيبي رئيس الحركة العربية للتغيير، ورئيس القائمة الموحدة منصور عباس، وسامي أبو شحادة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي. وهو ما يعتبر إنجازا مهما جدا للجماهير، وشكل صفعة قوية للحكومة الإسرائيلية وأحزاب الائتلاف الصهيوني الحاكم، وفي حال لم يتراجع أي من الموقعين على الوثيقة، وحصلت القائمة المشتركة على 16 نائبا في الكنيست القادم، فإنها بالضرورة ستسقط بنيامين نتنياهو وحكومته العنصرية.
وعلى إثر ذلك، عقبت عضو الكنيست من حزب "هناك مستقبل"، ميراف بن أري على اتفاق الأحزاب العربية على تشكيل القائمة المشتركة قائلة:" إن من حقق هذا الاتحاد وأنهى حكومة نتنياهو، هو الوزير الأسوأ على الإطلاق، وزير الفشل الوطني، أحسنت يا بن غفير، لقد أطحت اليوم بنتنياهو في الانتخابات المقبلة."
وتملي الضرورة التأكيد على الدور الريادي لمدينة سخنين خاصة وباقي أضلاع المثلث دير حنا وعرابة البطوف، التي أسهمت جميعها بدور مميز ومحفز للجماهير العربية في العديد من المحطات التاريخية الهامة، في يوم الأرض 1976، وهبة أكتوبر 2000، وهبة الكرامة 2021، دون إغفال دور باقي المدن والبلدات والقيادات الفلسطينية العربية في ال 48 التي بتكافلها وتعاضدها واستجابتها للنداء الوطني لما حدث من انجاز وطني نوعي.
