غزّة… تغرق في بحر من اللصوص
سامي إبراهيم فودة
أمد/ ليس كل وجعٍ يُرى، وليس كل صمتٍ ضعفًا.
في غزّة، يقف أناسٌ مكسورو الخاطر على قارعة الطرقات، لا يمدّون أيديهم، ولا يبيعون كرامتهم، رغم أن الجوع ينهش البطون، ورغم أن الحرب لم تترك في النفس ولا في الجسد ولا في المال شيئًا إلا وكسّرته.
هم أولئك المهمّشون، المتروكون، الذين أنهكتهم حرب الإبادة نفسيًا وصحيًا واجتماعيًا، ثم جاءهم الخذلان من حيث ظنّوا أن الرحمة تسكن.
خذلانٌ باسم الإغاثة… وباسم الإنسانية.
المتن:
في غزّة، لم تعد الكارثة فقط صواريخ تهدم البيوت، بل أيادٍ تسرق قوت الجائعين، وتساوم على آلام الأرامل، وتحوّل دموع الأطفال إلى سلعة في أسواق النخاسة.
جمعيات ومؤسسات ترفع لافتات الرحمة، لكنها في الخفاء تجيد الحساب أكثر من الإحسان، وتعرف طريق السوق أكثر من طريق المخيمات.
لصوصٌ بربطات عنق، وسماسرة يتقنون لغة البيانات الصحفية، لكنهم خانوا الأمانة، وباعوا المساعدات، ووزّعوا الخيام على المحسوبين، والأقارب، والأبناء، والأصدقاء، بينما نامت عائلات كاملة تحت السماء، بلا غطاء ولا أمل.
حتى الخيمة، آخر خطوط الكرامة، لم تسلم من الفساد.
خيمة لا تصل إلى من شُرّد، ولا تُنصَب لمن فقد بيته، بل تُخزَّن، وتُباع، وتُتاجر بها، كأنها غنيمة حرب، لا حق إنساني.
من شمال غزّة إلى جنوبها، يغرق القطاع في بحرٍ من اللصوص، لا يحملون السلاح، لكنهم أكثر فتكًا، لأنهم يسرقون الحياة من أفواه الجوعى، ويطعنون الناس في عزّتهم، ويكسرون ما تبقّى من ثقة في معنى التضامن.
ومع ذلك…
هؤلاء المكسورو الخاطر لا يزالون واقفين.
يتألّمون بصمت، يرفضون التسوّل، ويؤمنون – رغم كل شيء – أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحق لا يموت، حتى لو خانته المؤسسات.
في ختام سطور مقالي:
هذه ليست صرخة جوع فقط، بل صرخة كرامة.
ليست شهادة على الحرب وحدها، بل على من تاجر بها.
غزّة لا تحتاج مزيدًا من الشعارات، بل إلى ضميرٍ حي، ومحاسبة عادلة، ويدٍ نظيفة لا ترتعش وهي توزّع الحق.
سيبقى التاريخ شاهدًا:
من صمد تحت القصف،
ومن سرق تحت لافتة الإغاثة.
وسيكتب يومًا أن المكسورين، رغم كل الخذلان، لم ينكسروا…
وأن غزّة، مهما أُغرقت ببحر اللصوص، ستبقى أعلى من السرقة، وأطهر من السماسرة.
