من الحرب إلى إدارة المصالح: ماذا بعد المرحلة الأولى في غزة؟

تابعنا على:   18:49 2026-01-26

سامي ابو لاشين

أمد/ مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى، وإغلاق أحد أهم ملفات المواجهة الأخيرة، تدخل غزة عمليًا مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وأدواتها عن المرحلة السابقة. لم تعد المواجهة العسكرية هي العنوان الرئيسي، بل انتقلت القضية إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث باتت تُدار ضمن ترتيبات إقليمية ودولية، وفي سياق تفاهمات تُصاغ في غرف مغلقة، غالبًا دون حضور فلسطيني فاعل. المرحلة القادمة، وفق المعطيات المتوفرة، تقوم على تسليم إدارة القطاع للجنة تكنوقراط، تعمل تحت رقابة وضمانات دولية، وضمن تفاهمات تهدف إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد، مقابل إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتدفق التمويل. بمعنى أدق، نحن أمام انتقال من منطق “إدارة المعركة” إلى منطق “إدارة الملف”، حيث تتحول غزة من ساحة صراع مفتوح إلى قضية سياسية–إنسانية تُدار وفق توازنات المصالح الإقليمية والدولية. هذا التحول لا يستند إلى معالجة جذرية لأسباب الصراع، ولا يقوم على تحقيق العدالة، بقدر ما يقوم على محاولة احتواء الأزمة ومنع انفجارها مجددًا بأقل تكلفة ممكنة على الأطراف المؤثرة. في هذا السياق، يصبح الرهان الحقيقي مرتبطًا بمن يملك مفاتيح القرار الفعلي: التمويل، والمعابر، والضبط الأمني، والعلاقة مع الخارج، وليس بمن يرفع الخطاب الأعلى أو الشعارات الأكثر حدة. أما لجنة التكنوقراط، ورغم أهميتها النظرية، فمن غير المتوقع أن تكون مستقلة بشكل كامل، بل ستعمل ضمن هوامش سياسية وأمنية مرسومة مسبقًا، ما يجعل نجاحها مرهونًا بمدى قدرتها على المناورة داخل هذه القيود. نجاح هذه التجربة قد يوفّر حالة من الاستقرار النسبي والهش، تسمح بإعادة تشغيل عجلة الحياة، وتخفيف المعاناة الإنسانية. أما فشلها، فسيعني العودة إلى حالة الفوضى والانفجار، وربما بصيغ أكثر تعقيدًا. وفي كلا السيناريوهين، يبقى المواطن الفلسطيني هو الطرف الأكثر تضررًا، والأقل قدرة على التأثير في مسار القرار. ما يجري اليوم لا يمكن توصيفه كمصالحة وطنية شاملة، ولا كاستعادة للقرار الفلسطيني المستقل، بل كمرحلة انتقالية لإدارة واقع منهك، تحت ضغط المصالح الإقليمية والدولية. السؤال المركزي في هذه المرحلة لا يتمثل في تقييم عدالة هذه الترتيبات فقط، بل في كيفية تقليل كلفتها على المجتمع الفلسطيني، ومنع تحويلها إلى حالة دائمة من “الاستقرار المؤقت”. غزة تدخل اليوم مرحلة جديدة بلا أوهام كبرى، وبلا شعارات حاسمة، بل ضمن واقع معقّد يتطلب قراءة عقلانية، ووعيًا سياسيًا، وقدرة على التعامل مع الممكن دون التفريط بالحقوق

اخر الأخبار