خطاب الوحدة المتأخر

تابعنا على:   16:47 2026-01-27

سامي ابو لاشين

أمد/ ما كتبه الأستاذ إبراهيم المدهون يعبر عن أمنية وطنية عميقة، لطالما كانت حلم كل فلسطيني شريف: وحدة الموقف، والشراكة، وإنهاء الانقسام.
وهي في جوهرها الطريق الأقوى والأصدق لمواجهة الاحتلال، ولم تكن يومًا فكرة هامشية في تاريخنا.
لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه اللغة تأتي اليوم متأخرة جدًا.
بعد ما سُمّي بـ”الطوفان”، تقلّص الدور الفلسطيني في قضيته، وتراجعت مكانتنا في إدارة معركتنا الوطنية، وتآكلت كثير من المفاهيم التي كانت تشكّل مصدر قوتنا، وعلى رأسها: الوحدة الوطنية.
فالتأخير في لحظات التاريخ الكبرى له ثمن، ونحن ندفعه اليوم جميعًا.
الوحدة ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل مسار طويل يحتاج إلى صدق، واستمرارية، واحترام للتعدد، لا إلى مكابرة أو إدارة أحادية.
ولا يخفى على أي فلسطيني يستخدم عقله بوعي أن تعطيل الوحدة الوطنية طوال سنوات كان مرتبطًا بخيارات سياسية وارتباطات إقليمية ودولية، دفعت ثمنها القضية، ودفعت ثمنها الناس.
واليوم، أصبحت الوحدة نفسها حبل النجاة ، بعد أن كادت تضيع.
وإحدى أخطر الأدوات التي ساهمت في تعميق الانقسام كانت الإعلام الحزبي المتخفي خلف صفحات وهمية، الذي مارس التحريض والتخوين وقذف الأعراض بحق المعارضين، وصنع من الاختلاف معركة، ومن الرأي حربًا.
هذا السلوك المكشوف خلق فجوة عميقة بين الحركة والجمهور، وبين جمهورها وبقية أبناء شعبنا، وأنتج حالة اشتباك دائم تستنزف الطاقات، وتبدّد الوقت، وتحوّل صراعنا من مواجهة الاحتلال إلى صراع داخلي عبثي.
طاقات كان يمكن، لو أُحسن توظيفها، أن تكون في خدمة قضيتنا، لا في تمزيق صفوفنا.
هذا الكلام ليس للتشهير، ولا لتسجيل نقاط، بل لاستخلاص العِبرة.
لأن ما لم نواجه أخطاءنا بوضوح، ونراجع تجاربنا بشجاعة، ونغيّر سياساتنا الإعلامية والتنظيمية بصدق، فلن يتغير شيء، مهما تغيّرت العناوين.
الوحدة الحقيقية لا تُبنى بالمنشورات، بل بالاعتراف، وبالتواضع السياسي، وبالتخلي عن لغة التخوين والكراهية، وبإعادة الاعتبار للفكرة الفلسطينية الجامعة.
ربما، لو سادت هذه اللغة منذ سنوات، لكانت المسافات أقصر، والجراح أقل، والمواقف أقرب.
ومع ذلك، ما زلنا نؤمن أن الفرصة لم تضِع بعد…
لكنها لن تُستثمر إلا بالفعل، لا بالكلام وحده.

اخر الأخبار