السقوط في غياهب الجب: لماذا لا تحتاج إسرائيل لعملية كبرى لإلقاء حماس في الهاوية؟
عياد البطنيجي
أمد/ يُشكّل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة نقطة ارتكاز جوهرية لفهم التحول العميق في بنية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بوصفه إعلانًا صريحًا عن مرحلة "الانسداد الاستراتيجي" الذي يطبق خناقه على حركة حماس. إن القراءة المتأنية لموازين القوى الراهنة تكشف أن الحركة فقدت بالكامل شروط المناورة الفعلية، وتحولت إلى كيان محاصر في مأزق وجودي لا فكاك منه، في مقابل خصم يمتلك هوامش مناورة مفتوحة، مدعومة بإرادة دولية وغطاء أمريكي يتجاوز الدعم العسكري ليصل إلى صياغة مستقبل المنطقة بما يخدم أهدافه بعيدة المدى. هذا الاختلال هو نتاج استراتيجية عزل إقليمي محكمة قطعت شرايين الإمداد عن الحركة، ووضعتها في مواجهة مباشرة مع استحقاقات لا تملك أدوات الرد عليها، مما يجعل من أي محاولة للمناورة في الوقت الراهن نوعاً من العبث السياسي أمام تفوق إسرائيلي يتمتع باستدامة كاملة.
إن التدمير المنهجي الذي انتهجته إسرائيل منذ السابع من أكتوبر كان فعلاً استراتيجياً يهدف إلى تكسير فكرة "الكيانية الفلسطينية" من جذورها. هذا هو السبب المركزي والنهائي للحرب؛ فإسرائيل تدرك أن خطر حماس ليس في ترسانتها فحسب، بل في قدرتها على تجسيد كيان سياسي ومجتمعي موازٍ يطالب بالاعتراف. ومن هنا، يصبح ملف نزع السلاح "تفصيلاً إجرائياً" صغيراً مقارنة بالهدف الأسمى وهو تقويض أي إمكانية لبروز سلطة فلسطينية تمتلك مقومات السيادة. لقد تجاوز الصراع مربع تصفية الحسابات مع تنظيم مسلح إلى مربع تصفية الحالة الوطنية الفلسطينية ككل، عبر تحويل غزة إلى حطام لا يقوى على حمل مشروع سياسي، مما يفرغ أي اتفاق مستقبلي من محتواه السيادي ويحوله إلى مجرد ترتيبات أمنية محضة تخدم استقرار الاحتلال.
وفي خضم هذا التحول، تبرز ضرورة قراءة المشهد عبر عدسة "التصنيف الموحد للتهديد"، وهي الأداة التحليلية التي اعتمدتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتبرير تجاوز الخطوط الحمر. من خلال هذا التصنيف، تم دمج كافة أشكال الوجود الفلسطيني—سواء كانت مقاومة عسكرية، أو حراكاً سياسياً، أو مؤسسات مدنية—تحت مظلة تهديد وجودي واحد يستوجب التفكيك الشامل. هذا الدمج شرعن ضرب العمق المؤسساتي والاجتماعي للفلسطينيين دون تمييز، معتبرة أن أي مظهر من مظاهر التنظيم الجماعي هو وقود للمقاومة يجب سحقه. إن هذا التصنيف جعل من تدمير البنية التحتية المدنية جزءاً من العقيدة العسكرية، بهدف منع إعادة إنتاج "الكيانية" مرة أخرى، وضمان بقاء المجتمع الفلسطيني في حالة من التشتت والاحتياج الدائم الذي لا يرتقي لمستوى الفعل السياسي المنظم.
بناءً على هذا الواقع، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى خوض عمليات عسكرية برية واسعة النطاق لاستكمال ملف حماس؛ فالحركة اليوم تترنح على حافة الهاوية نتيجة الاستنزاف الطويل وفقدان الحاضنة اللوجستية. إن أوراق الضغط الهائلة التي جُمعت طوال شهور الحرب—من التحكم المطلق في المعابر إلى العزل السياسي التام—باتت كافية لانتزاع التنازلات دون كلفة عسكرية كبرى. بدلاً من ذلك، ستكتفي إسرائيل بـ "العمليات الجراحية" الدقيقة والموضعية التي تستهدف ما تبقى من هيكلية الحركة، لتسريع سقوطها في غياهب الجب. هذه الاستراتيجية تضمن تحقيق الأهداف بأقل التكاليف، وتكرس واقعاً يتم فيه استنزاف طاقة الحركة في تأمين الحد الأدنى من البقاء التنظيمي.
إن المشهد النهائي الذي ترسمه هذه القراءة الواقعية هو مشهد انتصار الرؤية الإسرائيلية في تحجيم الصراع وتحويله من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية وأمنية تُدار عبر ضغوط لا تتوقف. حماس، في حالتها الراهنة، فقدت القدرة على تغيير هذا المسار، وأصبحت أسيرة لواقع جيوسياسي جديد لا يعترف إلا بالقوة والسيطرة. ومع انغلاق آفاق الدعم الإقليمي وتصلب الموقف الدولي، يجد المشروع الفلسطيني نفسه أمام تحدي الاندثار الكياني، حيث تنجح إسرائيل في فرض تعريفها الخاص للأمن، القائم على أنقاض الطموح السياسي الفلسطيني وتفكيكه إلى ذرات مبعثرة لا يجمعها رابط واحد، مما يجعل من وقف إطلاق النار الحالي بداية لمرحلة الاحتواء النهائي لما بعد الكيانية.
