رمضان في مرايا غزة… حين يتكاثر شياطين الإنس

تابعنا على:   16:24 2026-02-22

سامي إبراهيم فودة

أمد/ في شهرٍ تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلَق أبواب النار، ويتسابق الناس إلى الرحمة والمغفرة والصدقات، يقف رمضان في غزة مذهولًا… كأنه غريبٌ عن هذه الأرض التي أنهكها الجوع وأثخنها النزوح.
العالم العربي والإسلامي يرفع الأكفّ طلبًا للعفو، ويُخرج الزكاة، ويطعم المسكين، ويُمسح على رأس اليتيم.
أما هنا، ففي غزة، تتكاثر شياطين الإنس كما لو أنّ الشهر المبارك أُعلن موسمًا مفتوحًا للنهب لا للنجاة، وللافتراس لا للإحسان.
رمضان عند الآخرين مائدة عامرة.
وعند أهل الخيام الممزقة… هو سؤالٌ قاسٍ:
كيف نصوم وبطوننا لم تعرف الشبع أصلًا؟
كيف نفطر ولا خبز في اليد، ولا مال في الجيب، ولا ظلّ فوق الرأس؟
شعبٌ يترنّح في العراء، تحت أقمشة بالية تئنّ مع الريح،
بطونٌ خاوية،
جيوبٌ فارغة،
عقولٌ شاردة من شدّة القهر،
وجوهٌ شاحبة كأنها خرجت من تحت الركام للتو.
وفي المقابل…
تُسمَع أصواتٌ تتغنّى بالخدمة والمبادرة والمسؤولية،
لكن الأيدي نفسها تمتدّ خفيةً إلى قوت النازحين.
يبيعون الألم في سوقٍ سوداء،
ويحوّلون المعاناة إلى أرباح،
ويغلفون الجشع بشعارات الرحمة.
من التاجر الذي يرفع الأسعار كأنّه ينتقم من الفقراء،
إلى المتنفّذ الذي يحتكر السلع ويخنق الأسواق،
إلى المسؤول الذي يتحدث عن الصبر فيما بيته عامر،
إلى الحاكم الذي يرى الخيام من خلف الزجاج المكيّف…
كلهم – إلا من رحم ربك – شركاء في صناعة هذا المشهد الرمضاني الكالح.
يا هؤلاء…
سرقة لقمة الجائع ليست تجارة،
ومصّ دم المنكوبين ليس شطارة،
واحتكار الدواء والغذاء ليس حنكة.
إنها جريمة أخلاق قبل أن تكون جريمة قانون،
وخيانة لرمضان قبل أن تكون خيانة لشعب.
أيُّ صومٍ هذا الذي لا يردع يدًا تمتدّ إلى سلة الإغاثة؟
أيُّ قيامٍ ذاك الذي لا يوقظ ضميرًا نام فوق كومة أموال؟
وأيُّ دعاءٍ يُرفع إلى السماء ودمعة اليتيم تُسحق تحت حذاء الجشع؟
الاحتلال يقتل بالجملة، نعم…
لكن بعض شياطين الإنس يقتلون بالتقسيط؛
يقتلون الكرامة،
ويذبحون الأمل،
ويطعنون الثقة في خاصرة المجتمع.
والأخطر أنهم يفعلون ذلك باسم الخدمة،
وتحت لافتة المبادرة،
وبصوتٍ مبحوحٍ يدّعي الحرص على الناس.
غزة اليوم لا تحتاج خطاباتٍ منمّقة،
ولا صورًا أمام الشاحنات،
ولا بياناتٍ تُنشر مع كل كيس طحين.
غزة تحتاج ضميرًا حيًّا.
تحتاج من يخاف الله في هذا الشهر كما يخاف الفضيحة في الدنيا.
تحتاج من يفهم أن الجائع ليس رقمًا في تقرير،
ولا فرصةً للربح،
بل روحًا مكسورة تستحق الرحمة.
رمضان سيغادر،
والخيام قد تبقى،
لكن الأفعال لا ترحل.
ستبقى شاهدة:
من واسى،
ومن سرق،
ومن آزر،
ومن امتصّ الدم حتى آخر قطرة.
وفي ميزان العدالة الإلهية،
لن تختلط الصدقة بالسرقة،
ولا الدعاء بالادّعاء،
ولا الرحمة بالقسوة.
أما غزة…
فستبقى رغم الجوع والخذلان،
أطهر من كل يدٍ لوّثت رمضان،
وأكرم من كل تاجرٍ ظنّ أن قوت النازحين غنيمة.
وهناك، حيث لا تُزيَّف الموازين،
سيُعرف حقًا
من كان صائمًا لله…
ومن كان صائمًا عن الرحمة.

اخر الأخبار