بين وجع غزة ونار الإقليم: لماذا نرفض استباحة أي عاصمة عربية؟
نسرين موسى
أمد/ في ظل الغليان الذي تشهده منطقتنا، يجد المواطن العربي، وخصوصاً في قطاع غزة، نفسه أمام تساؤلات أخلاقية صعبة.
ومع تواتر الضربات التي تستهدف عواصم ودولاً عربية بدعوى وجود قواعد أمريكية، تبرز أصوات مشحونة بالألم ترى في ذلك "ثمناً" لسياسات معينة.
ولكن، هل من الحكمة أو الوفاء أن نقول "ليست قضيتنا" تجاه أمن أشقائنا؟ إن السياسة متغيرة والعروبة ثابتة، فبينما قد نختلف مع "السياسات" أو "التحالفات" لهذا النظام أو ذاك، إلا أن "الدولة" بمقدراتها وشعبها هي ملك للأمة وللتاريخ.
إن استهداف عواصم مثل أبوظبي، المنامة، الدوحة، عمان، أو بغداد، ليس مجرد ضرب لقرار سياسي، بل هو استباحة لجغرافيا عربية وتهديد لحياة ملايين المدنيين، ومن بينهم مئات الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني الذين وجدوا في هذه البلاد حضناً وأماناً ورزقاً.
وإذا أردنا تقييم العلاقات مع الاحتلال أو القوى الخارجية، فلا بد أن نكون منصفين ومبدئيين، فهذا الواقع معقد وموجود بأشكال متفاوتة في معظم عواصمنا، بل وحتى في هيكلية السلطة الفلسطينية نفسها بحكم الأمر الواقع والاتفاقيات الموقعة.
لذا، فإن الفرح باستهداف أي دولة عربية لا يخدم قضيتنا، بل يزيد من عزلتنا وتفتت ما تبقى من وحدة الصف العربي الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ومن قلب المعاناة في غزة، لا يمكننا إغفال الأيادي التي امتدت لنا بالخير كجزء من واجب العروبة. فبينما تدور رحى الحرب، كانت هذه الدول العربية هي شريان الحياة الحقيقي للقطاع؛ بدءاً من محطات تحلية المياه والمستشفيات الميدانية الإماراتية، إلى المستشفيات والأطقم الطبية الأردنية، ومن الدعم المالي واللوجستي والمساعدات القطرية، إلى قوافل الإغاثة الكويتية والمصرية والسعودية.
إن من يمسح دمعة المكلوم ويطعم الجائع في غزة يستحق منا الدعاء بالأمن، لا تمني الدمار لبلده، فالحر لا ينسى المعروف حتى في عز الاختلاف السياسي.
إن مقولة "ليست قضيتي" قد تكون رد فعل عاطفي لحظي نابع من القهر، لكن بالمنطق الاستراتيجي، فإن دمار أي حلقة في السلسلة العربية هو إضعاف للجميع.
تحويل بلادنا العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية لن يحرر شبراً من فلسطين، بل سيغرق المنطقة في فوضى لا يستفيد منها إلا من يريد تغييب القضية الفلسطينية عن المشهد تماماً.
نحن مع غزة بصلابة، وضد أي نهج يضر بحقوقنا، لكننا أيضاً مع أمن واستقرار "كل" شبر عربي.
الموقف الأخلاقي الأصيل هو الذي يرفض الظلم في غزة، ويرفض أيضاً استباحة الدم العربي في أي مكان آخر؛ فقضيتنا هي الحق، والحق لا يتجزأ، والوفاء شيمة الأوفياء.
