حين تهتز طهران: ماذا حققت الحرب على إيران في ميزان القوة الإقليمي؟!
نبيل أحمد صافية
أمد/ لا تُقاس الحروب الحديثة بعدد الضربات أو حجم الدمار المباشر فقط، وإنما بقدرتها على تغيير معادلات القوة وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها الدول. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب التي استهدفت إيران أو الضغوط العسكرية المتصاعدة عليها خلال المرحلة الأخيرة لا يمكن فهمها بوصفها مجرد مواجهة عسكرية محدودة،ولكن باعتبارها حلقة في صراع أوسع يتعلق بإعادة تعريف التوازنات في الشرق الأوسط. فإيران ليست دولة عادية في بنية الإقليم؛ فهي تمثل محور شبكة نفوذ سياسي وعسكري امتدت خلال العقود الماضية عبر أكثر من ساحة عربية وإقليمية. ولذلك فإن أي حرب عليها أو ضدها تحمل في طياتها تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية لتطال النظام الإقليمي بأكمله.
أحد أهم ما كشفت عنه هذه الحرب هو حدود القوة لدى جميع الأطراف، فقد أظهرت المواجهة أن التفوق العسكري والتكنولوجي، رغم أهميته لا يكفي وحده لحسم صراع معقد يتداخل فيه العامل العسكري مع البعد السياسي والتحالفات الدولية. في المقابل، بيّنت أيضًا أن الاعتماد على شبكات النفوذ غير المباشر أو على ما يُعرف بالحروب غير المتناظرة لا يوفر حصانة كاملة أمام الضغوط العسكرية المركزة. وهكذا تحولت المواجهة إلى اختبار حقيقي لنموذجين مختلفين من القوة: نموذج يعتمد على التفوق العسكري المباشر، ونموذج آخر يقوم على توسيع النفوذ عبر حلفاء إقليميين وأدوات غير تقليدية.
ومن النتائج الاستراتيجية البارزة للحرب إعادة طرح مفهوم الردع في الشرق الأوسط، فحين تتعرض دولة بحجم إيران لضغط عسكري كبير، لايكون السؤال عن عدد الخسائر ولكن عن مدى قدرة هذه الدولة للحفاظ على صورة الردع التي بنتها خلال سنوات طويلة. فالردع في هذه الحالة لا يتعلق بالقوة العسكرية وحدها، ولكن بالصورة الذهنية لدى الخصوم والحلفاء على حد سواء، فإذا تمكنت إيران من إظهار قدرتها على الصمود والاستمرار في الرد، فإن ذلك يعزز مكانتها الاستراتيجية، أما إذا أدت الحرب إلى تقليص قدرتها على الرد أو إلى إضعاف شبكات نفوذها، فإن ميزان الردع في المنطقة قد يشهد تغيرًا ملحوظًا.
كذلك أدت هذه الحرب إلى تسريع عملية إعادة تموضع التحالفات في الشرق الأوسط، فالدول الإقليمية التي كانت تحاول في السابق الحفاظ على قدر من التوازن في علاقاتها مع القوى المختلفة وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة تقييم حساباتها الأمنية،و بعض الدول اتجه إلى تعزيز شراكاته الدفاعية مع قوى دولية كبرى، بينما فضلت دول أخرى اتباع نهج أكثر حذرًا يقوم على تخفيف التوتر ومحاولة تجنب الانجرار إلى صراع أوسع. وفي كلتا الحالتين، فإن الحرب دفعت المنطقة نحو مرحلة جديدة من التفكير في مفاهيم الأمن الجماعي والردع المشترك.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الحرب مدى حساسية النظام الاقتصادي العالمي تجاه أي اضطراب في الشرق الأوسط، خصوصا فيما يتعلق بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، فإيران تمثل عنصرًا مهمًا في معادلات النفط والغاز، وأي توتر كبير يحيط بها ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وعلى حسابات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء. وقد أدت التوترات المرتبطة بالحرب إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية في الأسواق، الأمر الذي دفع العديد من الدول والشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية والتجارية في المنطقة.
وفي البعد السياسي، أعادت الحرب طرح سؤال جوهري يتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. فمن جهة، أظهرت طهران قدرة على الصمود والمناورة في مواجهة الضغوط، مستفيدة من عمقها الجغرافي ومن خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات. ومن جهة أخرى، كشفت المواجهة أن استمرار هذا النفوذ يعتمد إلى حد كبير على قدرة إيران على إدارة التوازن بين المواجهة والتفاوض، وبين الحفاظ على حضورها الإقليمي وتجنب الاستنزاف الطويل.
في المحصلة، لم تحقق الحرب على إيران حسمًا نهائيًا لأي طرف، لكنها نجحت في إعادة فتح ملف التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فقد دفعت جميع الأطراف إلى مراجعة افتراضاتها السابقة حول القوة والردع والتحالفات، وأظهرت أن البيئة الأمنية في المنطقة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد. ولذلك فإن أهم ما حققته هذه الحرب ربما لا يتمثل في نتائجها العسكرية المباشرة، وإنما في التحولات العميقة التي أطلقتها في طريقة تفكير الدول حول أمنها ومصالحها في المرحلة المقبلة، فالحروب الكبرى غالبًا ما تترك أثرها الحقيقي في ما بعدها، لا في لحظة اندلاعها.
