ما بعد أحادية القطب: في نقد الهيمنة وسرديات النظام العالمي الجديد
محمد المحسن
أمد/ "إذا كان لا بد من استخدام القوّة ضد العراق،فلأننا أميركا".(وزيرة الخارجية الأميركية السابقة،مادلين أولبرايت،في تعليقها عن الموقف الأميركي من الأزمة العراقية)
تقديم:
الحرب عمياء،لأنّها ترى بعيون الضغينة.طيّار جاء من وراء البحار،يقصف من سمائه مدينة لم يرها سوى على الخريطة،يقتل من علوّه أناسا لا يعلم عنهم شيئا،بنيّة إبادة جنسهم البشري.هكذا نسفت أمريكا هيروشيما بقنبلة نووية،وسحق الحلفاء على مدى سبعة عشر يوما مدينة دردسن الألمانية رغم استسلامها.وهكذا،على مدى سنوات،قصفت فرنسا عشرات القرى الجزائرية كما لو كانت ترشّ حشرات بالمبيدات،وألقت في الصحراء الجزائرية في تجاربها النووية أوّل قنبلة ذريّة تعادل قوّتها أربعة أضعاف قنبلتي هيروشيما وناكازاكي،ستظلّ إشعاعاتها تشوّه الأجنّة وتلوّث التربة لآلاف السنين..
قبل أن يُسدل القرن العشرون ستاره على مسرح التاريخ،كان العالم قد دخل،في عقده الأخير، مرحلة من التحولات الجيوسياسية الكبرى،لم تقتصر على إعادة رسم خرائط النفوذ،بل طالت بنية النظام الدولي ذاته.فمع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي،طويت صفحة نظام ثنائي القطبية كانت الحرب الباردة قد أرسى دعائمه لعقود.ولم يكن هذا التحول مجرد انزياح في موازين القوى،بل كان إيذانا بميلاد لحظة تاريخية جديدة،تمكّنت فيها قوى عالمية من انتزاع زمام المبادرة،وصياغة قواعد لعبة دولية جديدة تحت مظلة ما اصطلح على تسميته بـ"العولمة".
لقد انبثق من ركام تلك التحولات نظامٌ دولي جديد،لم يكن كما بشّر به البعض بـ"نهاية التاريخ" أو انتصارا نهائيا للقيم الليبرالية،بل كان نظاما أحادي القطب بامتياز،تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية بصفتها القطب الأوحد.غير أن هذه الزعامة لم تكن قائمة على تفويض دولي أو شرعية أخلاقية،بل على إرادة الهيمنة المستمدة من ترسانة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية هائلة.وقد عبّرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة،مادلين أولبرايت،عن جوهر هذه المرحلة الجديدة بصراحة بالغة حين قالت: "إذا كان لا بد من استخدام القوة ضد العراق،فلأننا أميركا".!
لقد كان هذا التصريح إعلانا ضمنيا بأن معيار الشرعية الدولية لم يعد قائما على القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة،بل على إرادة القوة وحدها.
ومع بزوغ هذا النظام،باتت الازدواجية في تطبيق المعايير سمة بنيوية وليس مجرد ممارسة ظرفية. فبينما تُفرض العقوبات تلو العقوبات على دول لمجرّد الاشتباه في امتلاكها نوايا معادية،تُغضّ الأنظار عن انتهاكات جسيمة ترتكبها دول حليفة. لقد فرض مجلس الأمن حظرا جويا وعسكريا على ليبيا بموجب القرار 748 عام 1992،تسبب في معاناة إنسانية مبرحة للشعب الليبي،وحاصر العراق حصارا شاملا لم يفرق بين نظام وسكان. لكن أين كان المجلس ذاته عندما كانت إسرائيل تحتل جنوب لبنان لسنوات؟وأين كانت قراراته عندما اجتاحت روسيا الشيشان؟!
إنّ هذا الانتقائية في تطبيق القانون الدولي تكشف عن حقيقة أن النظام الجديد لا يبحث عن عدالة كونية،بل عن تسوية موازين قوى تخدم مصالحه. فبينما يسعى هذا النظام إلى تجريد منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل،يغض الطرف عن الترسانة النووية الإسرائيلية،التي تشير التقديرات إلى أنها تضم مئات الرؤوس النووية، بحجة الحفاظ على "التفوق النوعي".
إنّ هذه الثنائية في المعايير لا تعكس فقط خللا أخلاقيا،بل تكشف عن فلسفة سياسية تقوم على إعادة إنتاج علاقات التبعية.ففي ظل هذا النظام، لم يعد تقسيم العالم إلى "شمال" و"جنوب" مجرد وصف جغرافي،بل تحوّل إلى هرمية وجودية. فالدول النامية لم تعد تُقيّم بناء على مدى تقدمها في الديمقراطية أو احترامها لحقوق الإنسان،بقدر ما تُصنّف بناء على موقعها من خريطة المصالح الغربية.فالدولة "المتقدمة" في خطاب هذا النظام هي تلك التي تذعن لإرادته،والدولة "المتحضرة" هي التي تنخرط في شراكته الاستراتيجية،بينما تبقى تهمة "الإرهاب" أو "الأصولية" جاهزة لكل من يحاول الخروج عن "بيت الطاعة" الأميركي.!
إنها سياسة تعيد إنتاج الاستعمار القديم بثوب جديد،حيث تحلّ القروض المشروطة والاتفاقيات التجارية غير المتكافئة محلّ البواخر الحربية،مع احتفاظ الأخيرة بدور الرادع لمن تسول له نفسه العصيان.
لقد تجلّت ازدواجية المعايير هذه بوضوح في التعامل مع قضية نزع السلاح.ففي الوقت الذي تتعرض فيه البرامج النووية المدنية لبعض الدول لأقسى العقوبات،تُمنح إسرائيل،القوة النووية غير المعلنة،غطاء دوليا يحمي ترسانتها العسكرية.
إنّ هذا الموقف يؤكد أن شعار "نزع أسلحة الدمار الشامل"ليس هدفا استراتيجيا،بل هو ورقة ضغط تُستخدم لتقييد حركة الخصوم وتحييد قوتهم،لا لتحقيق أمن جماعي حقيقي.ومن ثم، فإنّ الحديث عن "السلم العالمي" و"سيادة القانون"في ظل هذا الواقع يبدو ضربا من المواربة،إن لم يكن نفاقا مكشوفا..!
إنّ هذا النظام الذي انبثق من دخان الحروب وتغذّى على صراعاتها،لم ولن يتخلى عن منطق القوة كأداة أولى وأخيرة.فهو يرفع شعار السلام، لكنه لا يتردد في استخدام الحرب كوسيلة لفرض إرادته،كما حدث في الاحتلال الغاشم للعراق.وهو يردد عبارة "من ليس معنا فهو مع الإرهاب"، ليحوّلها إلى سيف مصلت على رقاب كل من يرفض الانصياع.
هنا يحق لنا أن نتساءل: أليس "القانون" الذي يُستشهد به في هذا النظام هو في الحقيقة "قانون الأقوى"؟ وأليست "الشرعية الدولية"التي يُحتكم إليها مجرد غطاء لإرادة الهيمنة الأميركية والغربية؟!
أليست المؤسسات الأممية،وفي مقدمتها مجلس الأمن،قد تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة لتسويغ هذه الهيمنة بدلا من أن تكون حارسا أمينا للسلم الدولي؟
وإذن،يمكن القول إنّ هذا النظام العالمي الجديد، بزعامة واشنطن،هو نظام لا يؤسس لمساواة حقيقية بين الدول،ولا يحقق سلاما عادلا،بل يكرّس هيمنة رأسمالية لا مبالية بالمعاناة الإنسانية.إنه نظام لا متكافئ في بنيته الاقتصادية،حيث تستنزف ثروات الجنوب لتمويل رفاهية الشمال،وهو قطبي في تركيبته السياسية، أحادي القرار،تسيّره مصالح النخبة ولا تروضه قيم العدالة.وإذا كان هذا هو وجه "النظام الجديد"، فإنّ التحدي الأكبر أمام الإنسانية يبقى في إيجاد بديل حقيقي يقوم على التعددية،والاحترام المتبادل،وسيادة القانون الدولي القائم على الإنصاف لا على منطق الغاب.
وإذا كان هذا هو منطق النظام منذ نشأته،فإنه يتجلى اليوم بأبشع صوره في الحرب الغاشمة على إيران،والتي تتخذ أشكالا متعددة: حربا اقتصادية عبر حصار ظالم يستهدف قوت الشعب لا سلاح الدولة،وحربا إعلامية لإعادة إنتاج صورة العدو المهدد،وحربًا نفسية وعسكرية لزعزعة الاستقرار،وتدخلا سافرا في الشؤون الداخلية بهدف إخضاع إرادة وطنية تأبى الانكسار.هذه المواجهة ليست سوى فصل جديد من فصول الصراع مع مشروع الهيمنة،حيث تتعرض إيران للعقاب ليس لأنها انتهكت القانون،بل لأنها أصرت على أن تمتلك إرادة مستقلة في عالم يحاول القطب الأوحد فيه صياغة المستقبل وفقا لرؤيته الأحادية.وهنا،يثبت التاريخ مجددا أن القانون الدولي لا يزال عاجزا أمام همجية القوة،وأن السلم الذي يبشرون به لا يعدو كونه استسلاما مقنعا تحت تهديد السلاح.وإننا إذ نسأل: أين صوت القانون اليوم والمجازر تُرتكب بحق الأبرياء في غزة ولبنان وفلسطين المحتلة؟!
ليست القضية مجرد تساؤل عن آليات تطبيق القانون،بل عن إرادة جماعية قادرة على استعادة هيبة العدالة من براثن الهيمنة،وإقامة نظام عالمي جديد،متعدد الأقطاب،يقوم على الاحترام المتبادل،والتنمية العادلة،وسيادة القانون الحقيقي الذي يحمي الضعيف قبل القوي،ويحاسب الجلاد كما يحاسب الضحية.إنه رهان الإنسانية الأكبر في مواجهة مشروع يريد للعالم أن يبقى ساحة لصراع المصالح،لا فضاء لتعاون الحضارات.
