فتح على مفترق التجديد: المؤتمر الثامن بين استعادة الدور وصناعة المستقبل
د عبد الرحيم محمود جاموس
أمد/ في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس المؤتمرات الحركية بكونها استحقاقات تنظيمية فحسب، بل بقدرتها على إعادة تعريف الذات وصياغة المستقبل. ومن هذا المنظور، يكتسب المؤتمر الثامن لحركة فتح، المزمع عقده في الرابع عشر من مايو/أيار 2026، أهمية استثنائية تتجاوز الإطار الإجرائي إلى كونه محطة مفصلية في مسار الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني برمّته.
تأتي هذه الأهمية في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع تداعيات العدوان المستمر على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الضم في الضفة الغربية، مع تحولات عميقة في موازين القوى. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تموضع حركة فتح كقوة قيادية قادرة على الإمساك بزمام المبادرة، واستعادة دورها التاريخي بوصفها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.
إن مدخلات المؤتمر، كما تعكسها حالة الحراك الفكري والتنظيمي داخل الحركة، تشير إلى مستوى عالٍ من الحيوية الكامنة في القاعدة الحركية. فالتنوع في الطروحات، والجرأة في النقد، والانفتاح على المراجعة، كلها مؤشرات على أن الحركة ما تزال تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من الكفاءات والرؤى. غير أن هذه الحيوية تصطدم، في الوقت ذاته، بتحديات بنيوية تتعلق بفعالية الهياكل التنظيمية، ومستوى التواصل بين القيادة والقاعدة، وهو ما يجعل من المؤتمر فرصة تاريخية لردم هذه الفجوة وإعادة بناء الثقة الداخلية.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المؤتمر بوصفه ساحة لتغيير الأفراد فقط، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن يكون ورشة لإعادة صياغة البرنامج الوطني الكفاحي.
فالتحديات الراهنة تتطلب رؤية سياسية متجددة، تجمع بين الواقعية والتمسك بالثوابت، وتعيد الاعتبار لأدوات النضال المتنوعة، من المقاومة الشعبية إلى العمل الدبلوماسي والقانوني والإعلامي، ضمن استراتيجية شاملة ومتكاملة.
أما على مستوى المخرجات، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة المؤتمر على إنتاج قيادة تمتلك الشرعية التنظيمية والكفاءة السياسية، وقادرة على التفاعل مع المتغيرات المتسارعة.
قيادة لا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تسعى إلى تغيير معادلاتها، وتعيد وصل ما انقطع بين الحركة وجماهيرها، خصوصًا فئة الشباب التي تمثل الخزان الحيوي لأي مشروع تحرري.
كما أن أحد أبرز الاختبارات التي سيواجهها المؤتمر يتمثل في مدى قدرته على تكريس مبدأ الديمقراطية الداخلية، ليس فقط عبر آليات الانتخاب، بل من خلال ترسيخ ثقافة المشاركة والمساءلة، وتفعيل دور المؤسسات، بما يعزز مناعة الحركة ويحول دون تكرار أزمات الماضي.
إن استعادة الدور الريادي لحركة فتح لا تنفصل عن استعادة وحدة الحركة ذاتها، بوصفها شرطًا لازمًا لاستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
ففتح، بتاريخها ورمزيتها، ليست مجرد فصيل سياسي، بل إطار جامع يحمل في طياته إمكانية إعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر صلابة وشمولًا.
خلاصة القول:
ليس المؤتمر الثامن مجرد موعد تنظيمي عابر، بل هو اختبار للقدرة على التحوّل من حالة الانتظار إلى الفعل، ومن إدارة الواقع إلى صناعته. إنه لحظة مواجهة صريحة مع الذات، تفرض على الحركة أن تختار: إما أن تعيد إنتاج نفسها كقوة تحرر وطني حيّة، قادرة على حمل آمال شعبها، أو أن تترك الفراغ يتسع من حولها.
إن فتح، التي كانت دائمًا عنوان البدايات الكبرى، مدعوة اليوم لأن تكتب بداية جديدة، لا تستنسخ الماضي بل تستلهمه، ولا تكتفي بالشعارات بل تؤسس لمرحلة كفاحية أكثر وعيًا وتنظيمًا وتأثيرًا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والشعوب لا تغفر لمن يضيّع لحظات التحوّل.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على انعقاد المؤتمر، بل على ما سينبثق عنه من إرادة صلبة، وقيادة مؤمنة، وبرنامج كفاحي يليق بتضحيات شعبٍ ما زال يرى في الحرية حقًا لا يُؤجَّل، وفي القدس بوصلة لا تنحرف.
