د.فياض: الرؤية تحتاج الى أداة..وإلا!
كتب حسن عصفور/ مطلع الشهر المنصرم ( مارس) تداولت عديد وسائل اعلامية "رؤية سياسية شاملة" للدكتور سلام فياض، رئيس الوزراء السابق، والبرلماني "المجمد"، والمتحرك سياسيا في اطر اجتماعية - خدماتية، حملت تلك الرؤية موقفا تجاه بعض القضايا الجوهرية، وبعض من الاسئلة التي تحتاج الى تدقيق في الاجابة عليها..
"الرؤية الفياضية" يمكن اعتبارها "نواة لمشروع سياسي وطني عام"، بتناول كسر بعض "الأسس التقليدية" في التعامل مع عناصرالقضية الفلسطينية، وعلها كسرت بعض الرتابة التي سادت طويلا، في السنوات الأخيرة لكيفية التعامل مع ما يجب أن يكون، لم يكتف بوصف المشهد الخاص، فيما يتصل بـ"عملية السلام"، وما أصابها من تجاهل وعدم جدية حقيقي، الى جانب انحدار المجتمع في دولة الكيان الى منحدر عنصري يفوق ما كان سابقا، اضافة الى الوضع الاقليمي المصاب بفيروس "الارهاب" المنتشر بفعل فاعل دولي – اقليمي، بل أنه اشار الى مكمن الخلل الداخلي الذي يتهرب كثيرون من تحديده.
إن الحديث عن "تهميش" القضية الفلسطينية دوليا واقليميا، يوازيه في "الداخل الوطني" ما يمكن وصفه بـ"تهميش" للطاقة المفترض أنها القوة المحركة لمسار الأحداث لرفع القضية الوطنية، نتيجة مسلسل لمختلف أشكال "الإقصاء" الممنهج أو غير الممنهج، اقصاء يمكن لمسه بغياب المشاركة الشعبية الفاعلة في مواجهة مع قوات الاحتلال، والتي تشن عملية "تهويد" غير مسبوقة في القدس وفوق ارض الضفة الغربية من خلال "النشاط الاستيطاني"، الوجه المكمل للرؤية الصهيونية في "تهويد الأرض"، استباقا لفرض مشروعهم "العنصري المسمى "دولة يهودية"..
وبقراءة رد الفعل الوطني الشعبي العام، يمكن ملاحظة تغييب او غياب دور جيل الوسط والشباب في المعركة المفترض انها معركة مصير، بل ووجود وطني مع مشروع صهيوني لم يعد خافيا أبدا، يرمي الى اقامة "دولة غزة"، و"تقاسم وظيفي" مع ممثلي السكان المحليين في الضفة والقدس، ضمن هيمنة "يهودية" تكون صاحبة اليد العليا، في غياب القوة المحركة القائدة نحو الفعل المطلوب، كما كان قبل "العهد الراهن" منذ عشر سنوات ونيف..
وتتجسد قمة "المأساة" في أن دولة الكيان شنت 3 حروب عدوانية تدميرية ضد قطاع غزة، كان بعض منها يمكن أن يطلق "شرارة نار لانتفاضة عارمة" في الضفة والقدس وفي الجليل والمثلث والنقب، بل وخارج حدود فلسطين التاريخية، الا أنها لم تثر سوى بعض من حالة "انفعال انساني - عاطفي" على ارتكاب "جرائم حرب" علنية، تحت بصر وسمع وسائل الاعلام ومراقبة العالم..
بل أن الفضيحة الكبرى، تصل الى قمتها عندما تقر الأمم المتحدة تقريرا يدين دولة الكيان بجرائم حرب في أحد مراحل الحروب العدوانية على قطاع غزة، "تقرير غولدستون"، وبقدرة سياسية فلسطينية يصبح أول تقرير يدين الكيان بارتكاب جرائم حرب في خبر كان، اثار غيابه زوبعة اعلامية آنية، انتهت مع فعل داخلي جديد، بتسكين الأعصاب الوطنية باتفاقية مصالحة جديدة، دخلت طور التجميد بعد الانتهاء من مفعول استخدامها..
الأسئلة كثيرا ما تقفز الى سبب او مسببات ضعف المشاركة الشعبية توازيا مع الحروب العدوانية الثلاثة على قطاع غزة، ومع تصاعد حركة "تهويد تاريخية" في الضفة والقدس، وتهميش حاد جدا الى المشاركة السياسية في صياغة جدول الأعمال الوطني العام، مترافقا مع "عملية احتكار نوعية" للقرار ليس من فصيل أو فصيلين، بل من خلال "فريق خاص مقلص"، خطف "الشرعية الوطنية"، بتواز مع تعميق الانقسام الوطني نتيجة انقلاب سياسي أسود، لعب دور "المحلل لفريق خطف الشرعية"، تحت عباءة "الدفاع عنها"..
لعل المشهد الفلسطيني لم يصل يوما الى حالة من "اللامبالاة الوطنية - السياسية"، كما هو في العهد الراهن، حيث "التهميش" للقضية الوطنية متوازيا مع تعمق درجة الانقسام - الاستقطاب الكارثي، الذي شكل "رافعة موضوعية" لما وصل اليه المشهد الفلسطيني عامة، والمشاركة الكفاحية خاصة، فئات وقوى..
المسألة المركزية التي باتت قيد المداولة ليس "تشريح الواقع السياسي"، أو تحديد جدول الأعمال الوطني، وإعادة ترتيبه بما يتوافق والمصلحة العليا للشعب الفلسطيني، مع كل أهميتها وضرورتها، لكن ذلك لا يستقيم في غياب أداة الفعل والتطوير، وقبلها منح القوى المجتمعية - السياسية المهمشة منذ 10 سنوات اطارا يمكنه أن يشكل "حافزا لتفجير المخزون الكفاحي"، ولكسر "مللا وبلادة وتغييبا وتهميشا سياسيا" بعضه مخطط له بعناية وبعضه جاء مصادفة، لقطع الطريق على بروز "قوى ناشئة" تلعب دورا في تجديد طاقة مشعل المواجهة..
لذا فالرؤية التي حملها د.فياض، وما صاحبها من تحديد هام واستراتيجي، يشكل افتراقا عن ما يتم تداولة داخل اروقة "الكسل السياسي السائد"، ويمكنها أن تكون ركيزة لانطلاقة سياسية جديدة، تعيد فتح طاقة الأمل أمام جيل أُريد له التهميش والافتراق عن التفاعل الايجابي، والمشاركة المبتكرة في مواجهة المشروع الصهيوني المستحدث..
لكن تلك الرؤية تصبح مقالة أو قراءة آنية يحتفظ بها الأرشيف الفلسطيني، الممتلئ بقراءات ورؤى لها من القيمة ما يقارب المعروض، بل وربما يفوقها قيمة تاريخية، لكنها باتت بلا علم ولا خبر.. لا قيمة للرؤية السياسية - الفكرية ما لم تكن رؤية لقوة وأداة يمكنها أن تعمل من أجل تنفيذها، فالتنظيم كان دوما وفي كل عصور التاريح قوة التغيير، فلا نجاح لأي فكر مهما عظم شأنه دون أداة فعل تنظيمي تحركه..حتى الأديان السماوية رافق نشرها "خلايا تنظيمية" كي تصل الى عامة الناس..ودون ذلك يتحول الكلام الى شكل من اشكال "زعيق ثوري"..
ان الواقع الفلسطيني يعيش حالة "انكماش ثورية" يستدعي ولادة أداة كفاحية تفجرها وتقودها لتعيد روح "الطليعة" التي أطلقتها حركة فتح بقيادة الخالد ياسر عرفات في ظل وضع عربي عام لافض ورافض لرؤيتها، لكنها كسرت المستحيل وحملت شعلة الانطلاقة..
من العبارات التي تستحق التفكير وصفا لأبرز مفكري وثوريي القرن العشرين، والتاريخ، فلاديمير ايليتش لينين، عندما لخص لحظة سياسية ملتبسة بقوله إن "نصف الثورة هذا يجبرنا جميعا، على أن نشرع في تنظيم القضية تنظيما جديدا"..
وكأننا بحاجة لاستنساخ تلك المقولة بطريقة اخرى، إن "نصف الكارثة التي نعيش، تفرض أن نعمل على ابتكار تنظيم جديد" لحماية النصف المتبقي من السقوط في الكارثة، والعمل لاسترداد النصف المهدر بفعل فاعل معلوم..
لا تغيير بلا أداة تنظيمية تقوده..ولا أداة تنظيمية فاعلة بلا مغامرة نسبية وروح قتالية عالية..ولنقرأ حركة التغيير في دول كاليونان واسبانيا والهند، التي نجحت كونها "كسرت التقليدي السائد وحملت مشعل الفعل المقاوم"!
الوقت الآن وليس غدا، لكسر معادلة الرتابة السياسية و"الكهل السياسي الذي بات حاضرا بقوة في المشهد الفلسطيني"!
فلا نامت أعين الجبناء والمترددين وقبلهم الضعفاء..!
ملاحظة: عضوية فلسطين نصر سياسي تاريخي..مكمل للنصر التاريخي بقبول فلسطين دولة في الأمم المتحدة..لكن النصر يحتاح الى تفعيل كي لا يصبح "يوما وطنيا" ومناسبة للإحتفال..ولا داعي للتذكير بما يجب أن يكون !
تنويه خاص: مشاهد القيادي الحمساوي الزهار حاملا منظارا، وفي موقع عسكري ينظر الى التواجد العسكري الاحتلالي بزيه المدني الأنيق أشعرك أن الصور جزء من "كذبة ابريل - نيسان"..فلا المشهد ولا المكان يتطلب كل تلك "الأناقة" يا بو خالد!
