"وعد عريقات"!
كتب حسن عصفور/ قبل اقل من شهر تحدث د.صائب عريقات عضو اللجنتين تنفيذية المنظمة ومركزية فتح، وحامل أعقد ملفين، المفاوضات والمحكمة الجنائية، أمام أعضاء المجلس الوطني في الاردن، وتحديدا بتاريخ 11 مايو 2015، بانه هناك "إستراتيجية فلسطينية جديدة" تقوم على اساس، "تثبيت المفهوم القانوني لدولة فلسطين تحت الاحتلال والانضمام الى المنظمات والمواثيق والاتفاقيات الدولية"، و"أهمية الدعوة لانتخابات برلمان ورئيس دولة فلسطين"
كما أكد عريقات "نريد مؤتمرا دوليا لإنهاء الاحتلال"، موضحا "أننا الآن في مرحلة جديدة في التعامل مع الاحتلال" .
طبعا هناك مضافات غيرها بخصوص الحديث عن محكمة الجنايات الدولية، لكن الاساس هو فيما يتعلق بجوهر "الاستراتيجية الجديدة"، والتي اشاعت "جوا تفاؤليا"، حتى لو أنها لم تصدر عن أي مؤسسة رسمية بحكم أن قائلها من يحمل "مفاتيح اسرار الرئيس عباس السياسية"..
ولكن جاء ما لم يكن بخاطر، حيث اعلن د.عريقات عن أن "مهلة أمام إسرائيل كملاذ أخير الى نهاية العام" و "سيكون على إسرائيل أن تختار قبل نهاية العام: إما أن يكون لدينا عقد وشراكة تؤدي إلى حل الدولتين، أو ستكون إسرائيل المسؤولة الوحيدة [عن المناطق والسكان] من نهر الأردن وحتى البحر الأبيض المتوسط”، ولم ينس أن يعود لشعاره التهديدي الشهير المستمر منذ سنوات بـحل السلطة".
من يقارن بين ما قيل أمام اعضاء المجلس الوطني في الاردن، وأمام حضور في ندوة بمشاركة اجنبية، لأ يمكن أن يظن القارئ انهما لذات الشخص، فلا صلة اطلاقا بينهما، وكأنه لكل مقام تصريح ورؤية وبيان..
بالتأكيد، لا يستطيع المرء ان يتخيل استمرار هذه الحالة الاستخفافية للشعب ولكل الإطر الفلسطينية، بل التعامل وكأنها لم تعد قائمة أو لها صلة بالمشهد السياسي، الا إن تطلب الأمر استخدامها ضد حركة حماس، باعتبارها خارج الشرعية الوطنية، استخدام يمثل نكسة سياسية بكل ما للكلمة من معان وأبعاد..
كيف يمكن لشخص مهما كانت وظيفته وموقعه التنظيمي، أن يعلن بكل ارتياح انه منح دولة الكيان مهلة زمنية الى نهاية العام، كي يبدأ بعدها محاسبتها، كما قال، او أن يسلمها مفتاح السلطة باعتبارانها باتت ملكا خاصا لمجموعة تتصرف بكيان الشعب ومصيره بتلك الروح التي لا صلة لها بما هو وطني فلسطيني..
لم يخبرنا السيد الدكتور ما هي الصلاحيات التي يحق لنتنياهو ان يمارسها في الضفة والقدس والقطاع خلال الشهور الستة، الممنوحة له، كهدية سياسية لفوزه الانتخابي..
هل يمكن اعتبار سريان قانون دولة الكيان على المستوطنات في الضفة جزءا من "حق بيبي" في زمن السماح السياسي العريقاتي"، أم توسيع دائرة الاستيطان وتعزيزه وتهويد ما يمكن تهوديه في القدس وبعض الضفة..
وهل يشمل "الوعد العريقاتي" لحكومة نتنياهو اتاحة الفرصة لها بالعمل بكل طاقة لتنفيذ ما أعلنته نائب وزير الخارجية حكومة نتنياهو قبل ايام من "الوعد الحزيراني"، بأن "الأرض من النهر الى البحر هي أرض لليهود، ولا شعب غيره بها"..
وربما اراد عريقات بهبته الزمنية السياسية ان يتيح المجال لحكومة الكيان ان تتفرغ لمعركتها المقبلة في مواجهة "الانتفاضة السياسية القادمة" وبدأت في اتساع رقعة المقاطعة، ولأن اي إزعاج فلسطيني لحكومة تل أبيب سيعرقل تلك "الجهود المقدسة"..
عندما تصبح أقوال من يصفون أنفسهم بقيادة فلسطينية، وكأنها ليس سوى أقوال "فض مجالس"، فنحن أمام كارثة وطنية كبرى، ليس بما قاله هذا أو ذاك، ولكن لأنه لم يجد احدا من فصائل وقوى ومنظمات يردعه، ويفضح أن ما قاله ليس سوى انحدار بالقضية الوطنية أولا، والغاء لكل الإطر الشرعية ثانيا، وتعدي سافر على قرارات الشرعية الفلسطينية قبل الشرعية الدولية ثالثا..
أي منطق هذا الذي يعلنه حامل "أخطر الملفات ومن لا يفارق الرئيس عباس في رحلة سياسية او خاصة"، وكيف للقوى المناهضة للعنصرية والفاشية أن تتعامل مثل هذه التصريحات بـ"فترة السماح" للكيان، هل يمكنها ان تصدق فعلا أن القيادة الرسمية الفلسطينية تبحث عن "انتفاضة سياسية" ضد الدولة العنصرية..
والأخطر فيما قاله "كاتم أسرار الرئيس"، ان ذلك يعني تأجيل ملف المحكمة الجنائية الدولية، كي لا يقال أنه "خرق لفترة السماح" و"الصمت – الصوم السياسي"..
الا تشكل "هبة عريقات" لحكومة نتنياهو ذريعة لحماس للمضي قدما وبشكل "شرعي" نحو "مشروعها الخاص"، وتطبيق المعالدة الألمانية "التنمية مقابل التهدئة"، اقله لفترة "السماح العريقاتي"!
وبالتأكيد تمثل تلك الاقوال رسالة الى الشعب الفلسطيني والعالم، أن لا شي جديد من الآن الى نهاية العام، وأن قرار الامم المتحدة الخاص بدولة فلسطين بات "غير ذي صلة"..
لعل الحقيقة التي لم يقلها عريقات ان "الأشهر الست المقبلة" هي فترة لأمريكا وغيرها لبحث كيفية تجديد "الحركة التفاوضية" استجابة لخطاب الرئيس عباس في ذكرى النكبة و"شروطه الثلاث"، وايجاد الصيغة الأمثل لتمرير المشروع الفرنسي للخلاص من قرار دولة فلسطين 19/ 67، الذي يشكل عنصر ازعاج للسياسة الأميركية في المنطقة.
عريقات قال ما قاله، معتقدا ان لا راد لكلامه، ولا معترض عليه، فلم يعد للقوى السياسية قوة ردع، وان فترة الانقسام باتت الأفضل لتمرير كل ما يراد تمريره، وحركة حماس غارقة بمشروعها الخاص لا يهمها شيء آخر، بل لعل صمتها على ما يتم فعله من الوجه الآخر لها، هو جزء من الثمن المفوع مسبقا للمضي بمشروعها..
لما لا يقل "مستر إريكات"، كما يحلو لليهود والفرنجة مناداته، ما هي الأسباب التي دفعته لذلك "القرار التاريخي"، وهل له مقابل ما أم كان "هبة لوجه الله والحكومة النتنياهوية الأكثر عنصرية وكراهية للعرب والفلسطيني..
بالمناسبة هل يتذكر عريقات كم مهلة سبق منحها كم من مرة وضع ذات السؤال على اسرائيل ان تختار..والأغريب أنها اختارت منذ زمن بعيد، ولكن يبدو أن خياراتها لم تصل بعد لمنازل السائلين!
أليس مفارقة، لا بعدها مفارقة، أن تأتي هذه "المنحة السياسية" والإمم المتحدة تحت ضغط "توصية زروقي" لادراج الكيان وجيشه في "قائمة العار" لارتكابه مجازر ضد أطفال فلسطين، بدلا من التحرك لفرض التوصية وتحويلها الى قرار، يمكنه أن يكون أحد "روافد محاكمة الكيان وجيشه" في المحكمة الجنائية"، الا اذا كان هناك من يريد للتوصية مصيرا كمصير تقرير "غولدستون الشهير"..
يذكرنا "وعد عريقات" هذا بوعد سبقه بزمن بعيد..قال عنه أهل فلسطين وقيادتهم آنذاك، "من لا يملك منح من لا يستحق"!
ولكن يبدو أن هؤلاء "المانحين" زمنا للمحتل من "لحم الشعب الحي، يتجاهلون تجارب التاريخ الحية بأن "الانفجار لا وقت له"..وعهد الخداع اقتربت نهايته!
ملاحظة: أعترف بأنني احسنت الظن باعتقادي أن الرئيس عباس سيكرم الشهيد القائد ابوعلي شاهين بـ"وسام خاص"، وانه سيخاطب الحضور بكلمة يستحقها تاريح الرجل..لكن المفاجأة لم تحدث، وحضر عنها مقاطعة فتح القيادة الرسمية وأطرها الإحتفال، ومعها قاطعت حماس ايضا..يا مصادفات السياسية العجيبة في "بقايا الوطن"!
تنويه خاص: "تأسيس ممر مائي لغزة هدف لأسطول الحرية الجديد"..هذه جملة قالها المشرف الحمساوي على "الاسطول".. مقدما اسرائيل اذا هيك العنوان فهي حتما لن تمنع "الاسطول" بعد أن حدد هدفه وهدفها أيضا..يبدو أن "أول الانفصال رحلة"!
