خيار ضربة عسكرية ضد بلاد فارس ما قبل إعلان نتائج الانتخابات في دولة الكيان، قد يكون "خيار الإنقاذ الوحيد" لنتنياهو، لكنه خيار ترامب التاريخي لفرض مسار إقليمي جديد

المذهبية ضد وحدة الدين والوطن

المذهبية ضد وحدة الدين والوطن

تاريخ النشر: 2019-04-29 | 11:32

عبد الإله بلقزيز
عبد الإله بلقزيز

ما السبيل إلى سياسة فعّالة للقضاء على التعصّب الدينيّ والمذهبيّ ومحْوه؟ أو، إنْ تَعَذّر ذلك، ما السبيل إلى الحدّ من آثاره المؤذية على المجتمع والناس؟ هل يكفي الرّدعُ القانونيّ - من قبيل إحداث تشريعات خاصّة بمعاقبة مَن يترجمون تعصّبهم الفكريّ إلى أفعال- لاحتواء الظاهرة ومغالبتها، أم إنّ مشكلة التعصّب ثقافيةٌ، في المقام الأوّل، وتحتاج بالتالي إلى ردٍّ ثقافي - تربويّ- تعليميّ؟

أسئلةٌ مشروعة من غير شكّ؛ ومَأْتى مشروعيّتها من أنّ سيْل التعصب المذهبيّ تَدَفّق في البلاد العربيّة والإسلاميّة، في العقود الثلاثة الأخيرة، حتى كاد أن يجرف تيّارهُ الاستقرار والسِّلم المدنيّ فيها. وموْطِن الإعضال، هنا، أنّ التعصّب لم يعُد محضَ منزِعٍ ثقافي يُعبَّر عنه بالقلم؛ بل زاد على ذلك بأنِ انتقلت تمظْهُراته من الكتابة والخُطب إلى التحريض العلنيّ- ومنه الإعلاميّ- فإلى التسخير في الميدان السياسيّ الذي اجْتِيحَ بقوى تستثمر الرأسمال الدينيّ في المنازعات الاجتماعيّة والسياسيّة على السلطة والثروة. وإذْ أدخلت قوى التعصُّب المذهبيّ قواعد وعلاقاتٍ وتقاليدَ جديدة - كما مفرداتٍ جديدة - إلى الميدان السياسيّ مجافيةً لطبيعته وغيرَ مألوفة، أفسدتِ السياسةَ وهَبَطت بمَقامها المدنيّ إلى دَرْكٍ أسفل، بالقدر عينِه الذي نفثتْ فيه روحَ الفُرقةِ والشِّقاق داخل الدين الواحد وبين أبنائه، مستنفرة فيهم منازع الانكفاء إلى «ملاذاتهم» المذهبيّة الفرعيّة على حساب رحابة الانتماء إلى الدين الواحد، دافعة إيّاهم إلى التراشُق بالتّهم وأحياناً، إلى المواجهات المفتوحة. وغالباً ما كان المصيرُ إلى هذه الحال من الاشتباك الماديّ والعنيف مسبوقاً بأفعال نكراء من القَتْل الرمزيّ، مثل فعل الاتّهام بالكُفر والمروق والخروج من الملّة؛ الذي يأتيه فريقٌ ضدّ آخر، ويسوِّغ به حربَه عليه.

عاينا، في البلاد العربيّة المعاصرة، وجوهاً متعدّدة ومتباينة من تفجُّر تظاهرات هذا التعصُّب الدينيّ والمذهبيّ، ومن تفجيرها أوضاع الجماعات الوطنيّة والجماعة الدينيّة، وإغراقها في أتون صراعات ضارية لا تنتهي، هنا، حتى تبدأ هناك من جديد. عاينا وجهاً دينيّاً - سياسيّاً - منها في حرب لبنان الأهليّة (1975-1990)، انقسم اللبنانيّون فيها على حدود انتماءاتهم الدينيّة (مسيحيّون، مسلمون)، وعلى حدود طوائفهم (موارنة، سنة، دروز، شيعة...)، قبل أن يحاول «اتفاقُ الطائف» تعديل قسمة الاحتصاص الطائفيّ (أو المحاصصة الطائفيّة) في النظام السياسيّ؛ وشهدنا على تجدُّدها في العراق، بعد غزوه في العام 2003، وتفجير الاحتلال الأمريكيّ-البريطانيّ بنيتَه الاجتماعيّة الوطنيّة، والعودة بها إلى فضاءٍ أنثروپولوجي زاخر بالعصبيّات والمذهبيّات، فكان من ذلك أن تَواجَه العراقيّون على حدود مذاهبهم (شيعة، سنّة)، مطوِّحين بالجوامع والمشتَركات: الوطنيّة والدينيّة، باحثين لحروبهم عمّن يزوِّدها - بعد الاحتلال - من قوى أخرى من خارج العراق؛ وكدنا أن نشهد مشهداً نظيراً في لبنان - بعد العام 2005- لولا أنّ إرادة الاستدراك ألجمَت مساراً كان قد شَرَع في الانطلاق فغالبتْهُ؛ ثم عاينا وجوهاً من فداحات ذلك التعصُّب المذهبيّ في سوريّا، منذ هبوب ما يسمى «الربيع العربيّ» عليها، فرأينا الذبحَ على الهويّة، وتحريضَ أبناء المذهب على أبناء المذهب الآخر؛ وأخيراً ما لبثنا أن شهدنا على انتقالةٍ مفاجئة ودراماتيكيّة لهذا التعصُّب من تعصُّبٍ مذهبيّ إلى تعصُّبات داخل المذهب الواحد، وكانت المواجهات العسكريّة والإفناء المتبادل بين «داعش» و«جبهة النصرة» و«جيش الإسلام» و«كتائب نور الدين الزنكي» وغيرها من الترجمات الماديّة لذلك الطور الأخير والخطر من التعصب... وما خفي أعظم.

المذهبيّةُ اليوم هي، إذن، أخطر أنواع التعصّب التي تعصف بوحدة الاجتماع العربيّ؛ بوحدة الوطن ووحدة الدين على السواء؛ بل لعلّها كذلك كانت في مجمل تاريخنا الإسلاميّ كما في مجمل تاريخ المجتمعات المسيحيّة. وهي الدرجة العليا في التعصُّب؛ لأنّها نزّاعةٌ إلى نفي الآخر ومفاصلته. يمكن للتعصُّب الفكريّ لدى الفرد أن يقود صاحبه إلى الدوغمائيّة والتكلّس والانغلاق على أيّ حقيقةٍ أخرى غير الحقائق الإيمانيّة اليقينيّة الراسخة لديه؛ ويمكن لمن يتعصّبون للغتهم ألا يصابوا بأكثر من جهْل لغات غيرهم، فيُفْقِرون أنفسهم من وسائل أخرى للاتصال بثقافات غيرهم؛ ويمكن حتى للمتعصّبين لدينهم أن لا يصيبهم من تعصُّبهم أكثر من الحكم سلباً على أديانٍ أخرى، أو الجهل بها والإمساك عن حوار مخالفيهم في الملّة؛ كما يمكن للتعصّب الوطنيّ والقوميّ ألا يؤدّيَ بأهله إلى أكثر من الشعور بالنرجسيّة القوميّة والانغلاق في الشعور هذا. يمكن لكلِّ هذا أن يحصل في الحالات التي يجنح فيها التعصُّب للغُلُوّ والتطرُّف. غير أنّ التعصُّب المذهبيّ مختلفَ المحتِدِ عن هذه المَحَاتِدِ جميعاً؛ فهو فرْعيٌّ وشديدُ الانغلاق: فرعيٌّ إن قيسَ بجمْعيٍّ أو جماعيّ أرحب وجامع (مثل التعصب للدين، أو اللغة، أو الثقافة، أو الأمّة، أو الوطن)؛ وشديدُ الانغلاق .

من الواضح، إذن، أنّ مواجهة مثل هذا التعصّب المذهبيّ لا تكفيها تشريعات و«فَرَمانات»؛ لأنّه عميق الجذور في الذاكرة التاريخيّة وفي الذهنيّة العامّة. والظواهر التي من هذا الجنس لا يمكن مغالبتُها والتصدّي لها إلاّ ببرنامج عملٍ ثقافيّ تنويريّ طويل الأمد، مَبْناهُ على نشر قِيَم الاجتهاد والنسبيّة في التفكير وثقافة التسامح على النحو الذي تصبح فيه الثقافةُ هذه، تدريجاً، ثقافةً جمعيّة.

عن الخليج الإماراتية

×
أخبار
عينات أولى تشير إلى خسارة كبيرة لنتنياهو 50 مقعد..التغيير 53 والعرب بين 17 و18 قادة الدول المصدرة للغاز يعتمدون "إعلان موسكو" في ختام قمتهم الثامنة برئاسة بوتين سفيرة السعودية ريما بندر في أمريكا تدعو إلى تحالف دولي لمواجهة الحوثيين بوتين يبحث مع بزشكيان الوضع في الشرق الأوسط قطر: على إيران وقف التهديد وضمان ‌حرية الملاحة بـ"مضيق هرمز" لإثبات حسن النية كولومبيا تنسحب من مجموعة لاهاي بسبب إجراءات التكتل تجاه إسرائيل انتخابات إسرائيل.. أعلى إقبال منذ 45 عاماً ونتنياهو يهاجم الأحزاب العربية تحذير أممي من "تطهير عرقي" في الخليل ومطالب بوقف فوري للتهجير القسري تركيا.. لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان توافق على مشروع قانون اتفاقية مكة الحوثيون: استهداف وزارة الدفاع في الرياض وإصابتها بشكل مباشر سلطات الاحتلال تحتجز وفداً برلمانياً أوروبياً وتواصل عمليتها العسكرية الواسعة في الخليل اعتقال إسرائيلي بشبهة محاولة اغتيال يائير غولان في تل أبيب إيران: محسن رضائي يلتقي مجتبى خامنئي لبحث شروط إنهاء الحرب إسرائيل أمام شبح العزلة الاقتصادية وتحذيرات من هروب الأموال رسالة إلى كالاس..60 نائبا أوروبيا يطالبون باجتماع عاجل لبحث فرض عقوبات على إسرائيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,561 شهيدا العليمي يدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية هاري كين يحصد جائزة الكرة الذهبية 2026..ومبابي ثانيا مقاومة الجدار: حكومة الاحتلال تبحث بناء 608 وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية جيش الاحتلال يواصل حربه العدوانية في الضفة والقدس: اعتقالات وتخريب ممتلكات واقتحام الأقصى منصور يوجّه رسائل إلى الأمم المتحدة بشأن عدوان الاحتلال المتواصل في الخليل التحالف: اعتراض 3 صواريخ و 4 مسيرات أطلقها الحوثيين نحو مناطق في السعودية ترامب: إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم مغني الراب ماكلمور يتعهد بالنضال حتى “آخر نفس” بافتتاح جولة فلسطين حرة ردا على حديث بن غفير عن تهجير فلسطينيين إلى تونس: ليست أرضا بديلة الأردن يشن غارات على مواقع إرهابية جنوب سوريا: “الردع الأردني – حمود” توتر في الموساد الإسرائيلي بسبب تأييد رئيسه لخطط نتنياهو العسكرية ضد إيران عشية الانتخابات لجنة أممية مستقلة: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل استمرار الإبادة في غزة وزير الداخلية الأردني: القبض على منفذي اعتداء كنيسة الكرك كان نوعيا..والمنفذين أصحاب فكر تكفيري البرلمان العربي يؤكد مركزية القضية الفلسطينية ويدعو لدبلوماسية برلمانية فاعلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط