تاريخ النشر: 2026-10-27 | 13:32
تاريخ النشر: 2026-10-27 | 13:32
في يوم ثقيل كصخرة على الصدر، تجلس الأجيال الفلسطينية تراقب طقساً اعتيادياً في دولة الاحتلال الإسرائيلي، انتخابات عامة، صخب دعائي، منابر سياسية، ومواطنون يغمسون أصابعهم في الحبر الصوتي ليختاروا ممثليهم.
لكن المشهد، خلف واجهته الديمقراطية البراقة، يحمل في تفاصيله أبشع أنواع التناقض الإنساني، فالحبر الذي على أصابع الناخبين الإسرائيليين ملوث تماماً بدماء أطفال غزة وركام البيوت في الضفة الغربية.
هنا تبرز المفارقة الأكثر قسوة في العصر الحديث، كيف يمكن لنظام يقوم على الاحتلال، والتطهير العرقي، والفصل العنصري، أن يُسوّق نفسه للعالم على أنه واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط؟
وكيف يصفق العالم لحرية اقتراع تُبنى أساساتها على أنقاض شعب بأكمله؟
تحرص «إسرائيل» دوماً على تصدير صورتها كدولة مدنية متحضرة تجري انتخاباتها بانتظام، لكن هذه "الديمقراطية" لا تعدو ككونها غطاءً تجميلياً لآلة قتل عسكرية.
في العرف الإسرائيلي الحديث، لم تعد الديمقراطية تعني بالضرورة حقوق الإنسان أو العدالة، بل أصبحت أداة توافقية لتقاسم الغنيمة على حساب الحق الفلسطيني.
حين يتسابق الساسة الإسرائيليون على كسب أصوات الناخبين عبر المزايدة في إراقة الدم الفلسطيني، فإن الناخب الإسرائيلي لا يختار برامج اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل يختار "الجلاد" الأكثر كفاءة في إدارتنا كأهداف حية.
من يقتل منا أكثر، ومن يفرض حصاراً أشد، يصبح هو البطل في المشهد الانتخابي، وتتحول دماء أطفالنا وشبابنا إلى وقود تُشعل به حظوظ المرشحين في صناديق الاقتراع.
العالم، الذي يدعي الدفاع عن الديمقراطية، يغض الطرف بل ويصفق لهذا المسرح الهزلي، متجاهلاً حقيقة أن هذه الانتخابات تجري فوق ركامنا، وبأصوات مجرمي حرب ينتخبون أقرانهم.
ومن قلب القهر ذاته، يبرز وجه آخر أشد مرارة: أين نحن من ممارسة حقنا الديمقراطي؟
لعقود طويلة، حُرم الشعب الفلسطيني من أبسط حقوقه الديمقراطية في اختيار قيادييه عبر صناديق الاقتراع.
وحين نبحث في الأسباب، يبرز الاحتلال كعائق أساسي وممنهج يسعى دوماً لضرب أي محاولة لتوحيد الصف الفلسطيني أو تجديد شرعية مؤسساته.
لكن الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن الهروب منها أو تجميلها، هي ذلك "الانقسام البغيض" الذي جثم على قلوبنا لسنوات طويلة .
المفارقة المؤلمة هنا، أن الإسرائيليين، على حدة تناقضاتهم الفكرية والعرقية والسياسية، وجدوا دائماً مظلة جامعة لإجراء انتخاباتهم وإدامة دولتهم، بينما أخفقنا نحن -أصحاب القضية العادلة- في الوصول إلى توافق وطني حقيقي عبر الحوار، لنرأب الصدع ونخرج من هذا النفق المظلم.
اليوم، ندفع ثمن هذا الفشل باهظاً، نراقب العرس الديمقراطي للعدو والحسرة تأكل قلوبنا، ليس فقط لأن فوزهم معناه استمرار موتنا، بل لأننا ندرك أننا فرطنا في أداة قوتنا الأهم: "وحدتنا".
لقد تحولت الانتخابات الفلسطينية، التي كانت في يوم ما رمزاً للحركة الوطنية الحية والتجدد الديمقراطي، إلى ما يشبه "الغيبيات" أو الأساطير التي تتناقلها الأجيال الجديدة دون أن تلمسها. جيل كامل شبّ وهو لا يعرف معنى أن يقف أمام صندوق اقتراع ليقول "نعم" لمن يمثله و"لا" لمن يخونه.
غياب الديمقراطية الفلسطينية لم يضعف فقط من مناعتنا السياسية، بل أوجد حالة من العزلة بين الشارع ومؤسساته، وترك المواطن الفلسطيني رهينةً لحالة من العجز والانتظار، وكأننا نُعاقب مرتين: مرة برصاص الاحتلال، ومرة أخرى بتعطيل طاقاتنا الوطنية وجعل قرارنا رهينة للانقسام والترهل المؤسساتي.
أمام هذا المشهد القاتم، والسؤال الصعب الذي يتردد على كل شفة: ماذا نحن فاعلون؟ الإجابة لا تحتمل التردد أو الرمادية.
أولاً: إنهاء الانقسام كفريضة وطنية ووجودية.
لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي يمكن تأجيله، بل أصبح خطراً استراتيجياً يهدد بقاء القضية برمتها.
إتمام المصالحة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية، تشاركية، وتعددية هو السلاح الأقوى في مواجهة آلة الدعاية الإسرائيلية.
فضح زيف "الديمقراطية الإسرائيلية" عالمياً.
يجب نقل المعركة من المراقبة المفعمة بالحسرة إلى الهجوم السياسي والإعلامي، تعرية الوجه الحقيقي لإسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وإثبات أن ما يجري ليس ديمقراطية، بل هو "نازية جديدة" تُمارس تحت غطاء صندوق الاقتراع.
إعادة الاعتبار لصوت الشارع الفلسطيني.
تمكين الشباب والأجيال القادمة من المشاركة وصنع القرار، وإيجاد آليات بديلة ومبتكرة للتعبير الديمقراطي والمحاسبة الشعبية حتى تُعقد الانتخابات الشاملة (تشريعية، رئاسية، ومجلس وطني).
إن الحسرة التي تأكل قلوبنا اليوم يجب ألا تحوّلنا إلى مشاهدين عاجزين في مسرح التاريخ.
دماء أطفالنا وركام بيوتنا ليست نهاية المطاف، بل هي البذرة القاسية لصحوة وطنية ندرك فيها أن استعادة ديمقراطيتنا الداخلية ووحدتنا هما الخطوة الأولى والأساسية نحو كنس الاحتلال وصنع مستقبلنا بأيدينا.
فهل تدركون ذلك يا رئيسنا وفصائلنا؟